اللقاء مع «هاكابي».. المقدمات والخاتمة .. غسان زقطان

ليس الأمر خروجا عن البروتوكول والأعراف الدبلوماسية بقدر ما هو انحراف معرفي وأخلاقي عميق، هذا هو الحد الأدنى لوصف إجابات سفير دونالد ترامب في تل أبيب، الكاهن "مايك هاكابي"، على أسئلة الإعلامي الأميركي "تاكر كارلسون"، حول حق إسرائيل في احتلال الشرق الأوسط، وأن ذلك "سيكون جيدا لو حصل".
وصل "هاكابي" إلى مكتبه في السفارة الأميركية في القدس كاختيار مباشر من ترامب، لكنه كان يتصرف بصفته اختيارا إلهيا جرى عبر وزارة الخارجية ممهورا بتوقيع "ماركو روبيو".
في اللقاء مع "كارلسون"، الذي جرى في مطار "بن غوريون"، لم يخرج هاكابي من ثيابه ولم يقل أي كلمة خارج إيمانه المطلق والمعلن، كممثل للمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، وقبل ذلك كموفد إلهي مكلف تحقيق نبوءات العهد القديم، كرر اعتقاده بمهمته الرسولية بأن دعم إسرائيل واجب ديني مسيحي قادم مباشرة من سفر التكوين، وأنه، الدعم، لا يخضع للسياسة ويقع فوقها وقبلها.
منذ وصوله يتجول في فلسطين كحامل نبوءة ومنفذ لرسالة، في استكمال لسلسلة طويلة من المكلفين الذين سبقوه، من أنبياء التوراة وصولا لابن الحاخام محامي قضايا الإفلاس "ديفيد فريدمان" سفير ترامب في ولايته الأولى، الولاية التي شهدت نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف الأميركي بضم هضبة الجولان واتفاقيات أبراهام، ويمكن هنا إضافة اسم "مايك دي ايفانز" أحد زعماء الصهيونية الإنجيلية، مؤسس منظمة "أصدقاء صهيون" وأحد مستشاري ترامب في ولايته الأولى، الذي سيّر قبل أسابيع قافلة من ألف مؤثر إنجيلي إلى إسرائيل، كان في استقبالهم هاكابي نفسه، الذي عمل مرشدا لهم أثناء تجوالهم في الأرض المحتلة.
يمكن اعتبار اللقاء في مستوى آخر مواجهة بين تيارين رئيسين في أوساط اليمين الأميركي، وبيئة الحزب الجمهوري تحديدا، بين تيار "أميركا أولا" من جهة، وبين الإنجيلية الصهيونية من جهة ثانية، وهي مواجهة قائمة ومحتدمة في الإعلام الأميركي.
ليس الأمر سفيرا جاء من الطبقات البيروقراطية للدولة العميقة في وزارة الخارجية الأميركية، بقدر ما هو تدخل عنيف من خارج الهيكل البيروقراطي، تدعمه منظومة واسعة توزع أدوارها بصلاحيات واسعة.
الحقيقة أن مقدمات اللقاء التي طغت عليها الإجابات لا تقل أهمية عن اللقاء نفسه، اللقاء الذي طالب به هاكابي جاء بعد حلقة لبرنامج كارلسون حول المسيحيين في الشرق الأوسط، الأردن وفلسطين على وجه التحديد، الذي عكس واقعا مختلفا عن الصورة في المخيلة التي صنعها الإعلام الغربي، حيث التقى كارلسون رجال دين ورجال أعمال تحدثوا عن العوامل الثقافية المشتركة، ومدونة الحقوق والقوانين والجذور الثقافية، اللغة والتاريخ، في مقارنة، غير مقصودة ربما، مع اضطهاد المسيحيين الفلسطينيين من قبل الاحتلال والمستوطنين، وهي منطقة شبه مغيبة، وتكاد تكون مشوهة، إن حضرت، في الإعلام الغربي والأميركي على وجه الخصوص.
بدا الأمر وكأن مقدم البرامج الأميركي يدخل منطقة نفوذ "هاكابي"، الذي حاول عبر طلبه للقاء دحض فكرة التعايش الإسلامي المسيحي في مجتمعات الشام العربية، التي تتناقض مع رسالته التي يضخها نحو المخيلة الإنجيلية الصهيونية، ولكن الأمور لم تحدث على ذلك النحو.
الحقيقة أنه لا يمكن عزل تلك المقدمات عن الخاتمة.

أحدث الاخبار