ترامب من أميركا عظيمة إلى إسرائيل عظيمة ..ولكن ..! أكرم عطا الله

لم يساور الديمقراطيون أدنى شك برفض الكونغرس وأعضاء الحزب الجمهوري  التصويت لصالح وقف الحرب واشتراط الحصول على موافقة مسبقة من الهيئة التشريعية، بقدر ما أن الديمقراطيين الأكثر دهاء في العمل السياسي كانوا يريدون إظهار الحزب الحاكم وممثليه الشعبويين ورئيسهم بأنهم مؤيدون للحرب، وأن الحزب الجمهوري مسؤول عن كل تداعياتها كل الحزب والأعضاء وليس الرئيس ترامب وحده.
هكذا بدأ الديمقراطيون لعبتهم في عام انتخابي شديد الاستقطاب سيحدد مصير الرئيس نفسه.
فالحملة الانتخابية بدأت والمواطن الأميركي شديد الجهل بالقضايا الخارجية، فقد سبق أن شهدت عملية انتخابية في الولايات المتحدة وسألت الشارع الأميركي عن الأولويات بعد نصيحة من رئيس تحرير صحيفة «الأحد الأسبوعية» لأكتشف أن ما هو خارج حدود الولايات المتحدة وراء المحيط مجرد هوامش إخبارية لا علاقة لها بالدوافع الانتخابية للمواطن الأميركي ولا تدخل في حسابات صوته.
يفصلنا عن الانتخابات أقل من ثمانية أشهر. كان الديمقراطيون يبحثون بصعوبة عن قضايا وشعارات للدعاية بعد أن تمكن الرئيس ترامب من السيطرة على الفضاء العام وحديثه عن أعظم اقتصاد في التاريخ، وأنه تمكن من تحصيل تريليونات وأوقف كل الحروب ويسعى لاستعادة المجد الأميركي وجعل أميركا عظيمة من جديد بعد أن أطاح الديمقراطيون بهيبتها وسمعتها وحضورها.
هكذا كان الأمر قبل أن تهديهم السماء حرب إيران التي ستتحول إلى البطاقة الرابحة للنيل من الرئيس ترامب ونفي كل دعايته السابقة وكذلك لضرب دعاية الحزب الجمهوري.
هذه الحرب مختلفة عن حروب أميركا السابقة، حيث لا تحظى بتأييد لدى الشارع الأميركي إذ يعارضها 56% من المواطنين الأميركيين وعدد يقف على الحياد لتبدو نسبة التأييد هي الأقل لكنها تحظى بقبول الرئيس وقادة الحزب فقط الذين يخشون عدم دعمه لهم في الانتخابات القادمة إذا ما عارضوه، وهذا بعكس حرب أفغانستان التي بلغ التأييد ذروته انتقاماً لعملية الحادي عشر من سبتمبر وكذلك حرب العراق التي كانت أيضاً تحظى بدعم قطاع واسع بين الشركات والإعلام والشارع الأميركي.
لكن هذه المرة يقدم الإعلامي الشهير تاكر كارلسون نموذجاً حتى لدى الإعلاميين المؤيدين للحزب الجمهوري، فجميعهم يدرك أن هذه حرب بنيامين نتنياهو وليست حرب ترامب الذي تلعثم هو ووزير دفاعه في الأيام الأولى وهم يبحثون عن تبرير لدخولها على نمط أن «إيران كانت ستضربنا» وأشياء من هذا القبيل حظيت بسخرية المراقبين.
النتائج لم تظهر بعد ولكن نذرها بدأت تطل. كأن الرئيس الأميركي وقع في كمين وربما سيكون عميقاً للحد الذي سيحدث انقلاباً في الانتخابات القادمة، وهي مصيرية بالنسبة له إذا ما اتسعت الأزمة وزاد الاضطراب في الأسواق العالمية وطالت أزمة البترول وأسعار النفط وأحدث ذلك تأثيراً على الاقتصاد الأميركي والحياة اليومية. فحين سألت سائق التاكسي الأميركي عن الترتيب في خياراته الانتخابية وضع سعر غالون البنزين في المرتبة الثانية، أما مقولة ترامب إنه تمكن من إيقاف الحروب وإنه رجل سلام ويحلم بالحصول على جائزة نوبل فقد انتهت للأبد ولا يمكن له استخدامها في خطاباته بعد ذلك.
وضع ترامب وشريكه نتنياهو منذ اليوم الأول هدفاً لهذه الحرب وهو إسقاط النظام في إيران.
وهذا حلم إسرائيلي يعشش في عقل نتنياهو منذ أكثر من ثلاثة عقود.
قالت إسرائيل في اليوم الأول إن الأمر يحتاج لأربعة أيام من الضربات، ويبدو أن هذا الزمن القصير هو ما أغرى ترامب بإعلان نصر سريع يشبه إلى حد ما الانتصار الفنزويلي قبل أن يصبح الحديث عن أسابيع أو معركة تحتاج وقتاً، ثم تقول قناة كان الإسرائيلية أول من أمس إن إسقاط النظام يحتاج إلى عام، وهو ما يمكن وصفه بالخدعة الأكبر التي تعرض لها الرئيس ترامب الذي ذهب للحرب إرضاء لنتنياهو أولاً ولكن لأن لعابه كان يسيل على النفط الإيراني فيستحوذ على كل شيء بعد أن يضيفه للفنزويلي ليخنق الصين. لكن لا تشبه النتائج دائما سذاجة النوايا، وخصوصاً عندما يدير الحرب اثنان أحدهما شديد المكر والثاني شديد الخفة حد «الهبل» ويمتلك كل القوة ويتحكم به الأول الماكر.
هنا لنا أن نراقب هذه النتائج ونتوقعها فالحروب ليست لعبة هواة بقدر ما أن الدخول بها وإدارتها تحتاج إلى الأكثر ذكاء ومن يحسب بميزان الذهب، والغزيون يعرفون هذه النظرية على جلودهم عندما بدأ بعض الهواة أغبى الحروب ليتسببوا بسحق حياتهم.
الكاتب الأميركي كايل أنزالوني يكتب أن حرب ترامب مع إيران لا تسير كما كان مخططاً لها وقد تحولت إلى «عملية فشل ملحمية».
ينسى الكاتب أن الحرب أصلاً كان يتم التخطيط لها غرائزياً من قبل إسرائيل وليس واشنطن ولم يكن يسمح للرئيس الأميركي أن يشارك في التخطيط، وفقط عليه اللحاق بها سواء لإعجابه الشديد بنتنياهو الذي ورطه أو لما يشير له البعض لملفات أبستين، لكن يبدو أن نتنياهو الجامح هذه المرة ذهب أبعد مما يجب متجاوزاً إمكانيات صناعة الحرب مقابل دولة تتحضر لها منذ أربعة عقود لا لتكون حرباً خاطفة ينتصرون فيها بل حرب استنزاف تستخدم فيها إيران سلاح الطاقة وإغلاق ممرات الملاحة وبدل أن تستسلم طهران، يستسلم الاقتصاد العالمي ...!

أحدث الاخبار