
تواجه أوروبا ضغوطًا متصاعدة في ملف إمدادات الطاقة. فعلى مدار السنوات الماضية، كثّفت دول الاتحاد الأوروبي جهودها لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، متجهة نحو بدائل من بينها الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة وقطر. غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة في إطار الحرب الأميركية الإسرائيلية المتواصلة على إيران منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، وتداعياتها على طرق الملاحة البحرية وإغلاق مضيف هرمز، كشفت أن أوروبا لا تزال عرضة لاختناقات في الإمدادات، رغم مساعي التنويع.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وأدت الحرب إلى تراجع مستويات الإنتاج في قطر، بالتوازي مع اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز بشكل كبير، ما انعكس مباشرة في ارتفاع أسعار الغاز في أسواق الجملة. وفي ظل هذه المعطيات، يُطرح تساؤل متزايد حول ما إذا كانت احتياطيات الغاز الطبيعي المسال الضخمة في أفريقيا مرشحة لاكتساب أهمية إستراتيجية أكبر خلال الفترة القريبة.
ما الدور الذي تضطلع به أفريقيا في إمدادات الغاز إلى أوروبا؟
يشهد الغاز الطبيعي المسال القادم من أفريقيا حضورًا متناميًا في السوق الأوروبية. وفي هذا السياق، أوضح المحلل شون هاريسون، من شركة الاستشارات البريطانية للطاقة "وود ماكنزي"، أن القارة الأفريقية "غطت في عام 2025 أكثر من 17% من احتياجات أوروبا من الغاز المسال". وبيّن أن الجزء الأكبر من هذه الإمدادات جاء من الجزائر ونيجيريا وأنغولا، إلى جانب كميات إضافية من غينيا الاستوائية وموريتانيا/السنغال والكاميرون وجمهورية الكونغو.
غير أن الإمكانات المتاحة تتجاوز ذلك بكثير؛ إذ تُظهر بيانات شركة النفط "بي بي" أن احتياطيات الغاز في أفريقيا تبلغ نحو 12.9 تريليون متر مكعب، وهو رقم يتجاوز بشكل طفيف احتياطيات الولايات المتحدة المقدّرة بـ12.6 تريليون متر مكعب. كما يُتوقع أن تسهم مشروعات كبرى قيد التنفيذ، لا سيما في موزمبيق وتنزانيا، في فتح مسارات جديدة ومهمة خلال الفترة المقبلة، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية. ويرى محلل الطاقة ديسيجن نايدو، من معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا، أن القارة مؤهلة لتكون مورّدًا طارئًا على المدى القصير، إلى جانب دورها المحتمل في معالجة تحديات الإمداد على المدى الطويل.
ما مدى أمان إمدادات الغاز في ألمانيا حاليًا؟
تعتبر الوكالة الألمانية الاتحادية لإدارة الشبكات أن إمدادات الغاز في البلاد مستقرة في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن الغاز القادم من منطقة الخليج لا يشكل عنصرًا أساسيًا في مزيج التزويد الألماني. ووفقًا للوكالة، تعتمد ألمانيا حاليًا بشكل رئيسي على واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن تطورات الأسعار في الأسواق العالمية قد تنعكس على الداخل الألماني، تبعًا لمدة استمرار الصراع.
وخلال العام الماضي، جاء الجزء الأكبر من الغاز الطبيعي إلى ألمانيا عبر خطوط الأنابيب من النرويج، إضافة إلى كميات كبيرة وصلت عبر هولندا وبلجيكا. كما دخل نحو 10% من واردات الغاز عبر محطات الغاز المسال الجديدة المقامة على سواحل بحر الشمال وبحر البلطيق، وكان مصدر هذا الغاز بشكل أساسي الولايات المتحدة، إلى جانب كميات محدودة من غينيا الاستوائية. ومع بداية عام 2026، وصلت كذلك شحنات إضافية من الكاميرون ومن حقول الغاز الواقعة قبالة سواحل غرب أفريقيا.
ما هي مشروعات الغاز المسال الأفريقية ذات الأهمية الإستراتيجية؟
تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن موزمبيق مرشحة لأن تصبح موقعًا محوريًا في سوق الغاز المسال عالميًا، حيث يُتوقع أن تنتج مشروعات تقودها شركتا "توتال إنرجيز" و"إكسون موبيل" أكثر من 30 مليون طن سنويًا. وعلى الرغم من أن التحديات الأمنية، المرتبطة بهجمات جماعات مسلحة، أدت إلى تأجيل انطلاق الإنتاج عدة مرات، فإن التقديرات تشير إلى إمكانية بدء أولى الإمدادات بحلول عام 2030. ويرى محللون أن هذه المشروعات، التي كانت تُصنّف سابقًا عالية المخاطر، قد تخضع لإعادة تقييم في ظل سوق عالمية متوترة، خصوصًا مع توقعات بزيادة الإمدادات على المدى البعيد.
وفي منطقة شمال غرب أفريقيا، على الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال، دخل مشروع "غريتر تورتو أحميم" للغاز المسال، الذي تديره شركتا "بي بي" و"كوزموس إنرجي"، مرحلة الإنتاج، بطاقة تصل إلى 10 ملايين طن سنويًا. وتمكّن منشآت الغاز العائمة من تسريع وتيرة التشغيل وتعزيز مرونة التوريد، في حين يمنح الموقع الجغرافي لغرب أفريقيا ميزة إضافية تتمثل في تقليص زمن النقل إلى أوروبا مقارنة بالإمدادات القادمة من الولايات المتحدة.
كذلك، تتزايد أهمية مشروعات الغاز المسال في دول مثل أنغولا وجمهورية الكونغو والكاميرون والجابون وغينيا الاستوائية بالنسبة لأوروبا، بحسب ما أشار إليه المحلل براناف جوشي من شركة "ريستاد إنرجي".
ما حجم إمكانات النمو في سوق الغاز المسال الأفريقي؟
تستحوذ أفريقيا حاليًا على ما يتراوح بين 8% و10% من احتياطيات الغاز المؤكدة عالميًا. غير أن هذه النسبة قد تكون أعلى بكثير، وفقًا لما أشار إليه نايدو، الذي أوضح أن عمليات الاستكشاف في القارة لا تزال محدودة.
وأضاف أن هناك فرصة واقعية لمضاعفة هذه الحصة، مؤكدًا أن أفريقيا تمتلك إمكانات تفوق، في تقديره، معظم مناطق العالم الأخرى. وبحسب منتدى الدول المصدّرة للغاز، قد تستحوذ أفريقيا بحلول عام 2050 على نحو ربع الاستثمارات العالمية المخصصة لبناء منشآت تسييل الغاز.
ما مزايا صادرات الغاز المسال من أفريقيا؟
يرى خبراء أن الغاز الطبيعي المسال الأفريقي يمنح أوروبا عدة مزايا أساسية، أبرزها القرب الجغرافي، الذي يترجم إلى فترات نقل أقصر وإمدادات أسرع مقارنة بالموردين من الولايات المتحدة أو الشرق الأوسط، وفق ما ذكره هاريسون. كما توفر منشآت الغاز العائمة، مثل تلك الموجودة في السنغال/ موريتانيا أو في الكونغو، قدرة أعلى على سرعة التشغيل ومرونة في التوريد.
ورغم أن مستويات الإنتاج لا تزال محدودة نسبيًا، فإنها تتيح وصولًا سريعًا ومستقرًا إلى كميات إضافية يمكن أن تسهم في موازنة الطلب الموسمي أو التخفيف من اختناقات الإمداد، بحسب هاريسون.
ما المخاطر التي ينطوي عليها سوق الغاز المسال في أفريقيا؟
على الرغم من الإمكانات الكبيرة، تواجه القارة تحديات جوهرية، في مقدمتها ضعف البنية التحتية، بما يشمل نقص خطوط الأنابيب ومنشآت التسييل ومحطات التصدير، وهو ما يحدّ من قدرة صادرات الغاز المسال على التوسع. كما تعاني مشروعات رئيسية في موزمبيق وتنزانيا من تأخيرات متكررة نتيجة مشكلات أمنية ولوجستية، فيما تتسبب الاضطرابات وأعمال التخريب في دلتا النيجر في نيجيريا بتعطيل الإنتاج بشكل متكرر.
إلى جانب ذلك، تعاني عدة دول مرشحة للتصدير من حالة عدم استقرار سياسي، وغموض في الأطر التنظيمية، فضلًا عن انتشار الفساد. ويؤكد نايدو أن مشروعات الغاز المسال في أفريقيا تبقى عرضة بدرجة خاصة للتقلبات الاقتصادية وتحديات التمويل.