الحرب المُدارة في سورية وجغرافيا الصراع المضبوط في تسريبات إبستين

تكمن أهمية الاتصالات المرتبطة بإبستين، إذا نُظر إليها من زاوية دلالتها السياسية لا من زاوية الفضيحة، فيما تكشفه عن بنية الحرب السورية نفسها، على اعتبار أنها توحي بأن الصراع لم يُخض فقط عبر الجيوش والقوة الجوية والتمردات، بل جرى التفاوض حوله في الوقت ذاته عبر وسطاء غير رسميين قادرين على الحركة بين أنظمة سياسية معادية وقنوات دبلوماسية سرية. هذه القنوات لم تكن بديلاً عن الدبلوماسية العامة والتقليدية، بل أداة لتمكينها حيث يستحيل وجودها العلني؛ وبذلك يصبح الصراع السوري مفهوماً بوصفه مواجهة جيوسياسية مُدارة تعمل فيها الجماعات المسلحة والمعارك الكبرى والتدخلات العسكرية داخل توازن قوى يجري تعديله باستمرار.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

يؤكد مسار الحرب هذا الفهم، إذ لم تنتج التطورات العسكرية في أي مرحلة تقريبًا تصعيدًا غير مضبوط، فكل نقطة تحول كبرى، بداية من صعود قوات الجيش الحر والفصائل الإسلامية ومن ثم صعود داعش إلى سقوط حلب ثم هزيمة الخلافة وصولًا إلى تثبيت إدلب كمركز سلطة مدار من قبل المعارضة السورية، ارتبطت بحدود ضمنية راعتها القوى المتنافسة. يدل هذا النمط على احتواء مدروس لعتبات قوة ونفوذ جرى التفاوض عليها، وتكمن أهمية القنوات الخلفية هنا في تفسير كيف استطاع الخصوم أن يقاتلوا بشدة ويتجنبوا في الوقت نفسه حربًا شاملة بين القوى الكبرى.

المشكلة الإستراتيجية في إنهاء الحرب

منذ عام 2012 تقاربت القوى الخارجية حول معضلة واحدة مفادها أن سورية لا يمكن أن تنهار لكنها أيضًا لا يمكن أن تبقى على حالها، وكان الخلاف يدور حول مقدار التغيير المقبول. سعت روسيا إلى الحفاظ على استمرارية الدولة وموطئ قدمها في المتوسط وبناء قواعد جوية وبحرية في اللاذقية وطرطوس والاستئثار بالجنوب السوري لضمان مصالحها وضمان أمن تل أبيب، وأرادت الولايات المتحدة احتواء النفوذ الإيراني من دون احتلال مباشر، وركزت إسرائيل بدورها على منع بنية عسكرية إيرانية دائمة بالقرب من حدودها الشمالية، وانصبت تركيا في تركيزها على منع كيان كردي مستقل، وهدفت الدول العربية إلى تقليص الممر الاستراتيجي لطهران، بينما حاولت إيران الحفاظ على جسرها البري نحو لبنان.

كانت هذه الأهداف متناقضة في نتائجها لكنها متوافقة في حدودها، ووجدت الأرض السورية مساحة لتفريغ هذا الحمل الأمني والعسكري فيها، فكل طرف فضّل نصرًا ناقصًا على نصر غير متوقع، ولذلك تحول الميدان إلى آلية مساومة حيث عملت الفصائل المسلحة والهجمات العسكرية كأدوات ضغط داخل بيئة تفاوض، وهو منطق يتسق مع وجود شبكات اتصال غير رسمية.

"داعش" كفاعل مقلق فرض تنسيقًا عالميًا

غيرت بدايات ظهور تنظيم داعش بين 2013 و2014 طبيعة الصراع جذريًا، إذ لم يسع التنظيم إلى نفوذ داخل سورية، بل إلى سيادة عابرة للحدود، وأدى إعلان الخلافة إلى استحالة تجاهل الساحة السورية، فاجتمعت القوى الكبرى لأول مرة على إدراك خطر واحد وإن اختلفت استراتيجياتها. ثم توسع التنظيم عبر الرقة ودير الزور والموصل ومنطقة نهر الفرات لتظهر نتائج الفوضى غير المضبوطة، فقد فرض ضرائب ومحاكم وإدارات وحول السيطرة إلى حكم، ما خلق حالة طوارئ جيوسياسية لأن انهيار الدولة كان سيعني ولادة كيان عابر للدول طويل الأمد. كشف الرد طبيعة الحرب التفاوضية، فقد حاربت عدة تحالفات داعش من دون أن تحارب بعضها بعضًا، وعملت الطائرات الروسية والأميركية وقوات النظام السوري والتشكيلات الكردية والوحدات العراقية في مسارح متداخلة مع تجنب الاشتباك المباشر، فتحولت الحرب على داعش إلى حملة متوازية منسقة استراتيجيًا وإن لم تكن حلفًا رسميًا.

مثلت معركة كوباني اللحظة الأولى التي نشأت فيها شراكة عملياتية مستمرة بين القوة الجوية الغربية والقوات الكردية، وتجاوزت رمزيتها حجمها العسكري إذ أرست سابقة التدخل الانتقائي لتشكيل النتائج من دون دخول حرب كاملة. وأعلنت استعادة مدينة تدمر بدعم جوي روسي دخول موسكو كحَكم حاسم وأظهرت كيف يمكن للتدخل أن يثبت النظام تحت عنوان مكافحة الإرهاب؛ بينما جسّد حصار الرقة الفصل المنسّق حيث تقدمت قوات مدعومة أميركيًا بينما توقفت القوات السورية والروسية على خطوط فصل متفق عليها، فقبل كل طرف وجود الآخر لإزالة داعش ثم عاد التنافس بعد ذلك. ثم الأبرز كان معارك النفط والسباق إلى نفط دير الزور حيث قدم المثال الأوضح على التنافس المُدار، إذ تقدمت القوات بسرعة لكنها توقفت عند حدود معترف بها وتحولت الجبهة إلى خط جيوسياسي لا تكتيكي؛ وبالتالي فإن هزيمة داعش إقليميًا لم تنتج سلامًا، بل أزالت العدو المشترك وكشفت بنية المساومة الكامنة.

من الجهاد العابر للحدود إلى النظام المحلي

بعد تراجع داعش أصبح الشمال الغربي من سورية (إدلب وريف إدلب وريف حماة الشمالي الغربي) منطقة التقلب الأساسية، وهناك تحولت الولاءات وتباينت الانتماءات وتم جمع كل فصائل المعارضة المسلحة آنذاك (بمختلف توجهاتها سواء جهادية أو متطرفة أو معتدلة) فقبلت جماعات كانت تسعى للنصر الوطني بالبقاء الإقليمي، وأبرز مثال هيئة تحرير الشام التي تطورت من توجه جهادي عابر للحدود إلى سلطة محلية في إدلب حينها. أنشأت الهيئة مؤسسات إدارية وتنظيمًا اقتصاديًا وأجهزة شرطة، وكان هذا التكيف استراتيجيًا لأن البقاء صار مرهونًا بإدارة مساحة محدودة لا بإسقاط الدولة؛ وقبلت القوى الخارجية هذا الترتيب لأنه استقر على جبهة لا تريد تفجيرها بالكامل، فتركيا حافظت على نقاط مراقبة وردع، وروسيا تفاوضت على خفض التصعيد، والحكومة السورية حصرت عملياتها في ممرات استراتيجية (M4، M5). لتتحول هنا إدلب إلى صمام ضغط يمنع عودة التمرد المفتوح وأصبحت الهيئة جزءًا من توازن جيوسياسي أكثر من كونها جيشًا ثوريًا.

سقوط حلب كنقطة التحول البنيوي

تكشف التسريبات، لا سيما تلك الموجهة من تشومسكي إلى إبستين حول سورية والتنظيمات المسلحة التي عملت أميركا على تدريب جزء منها، أن المواجهات العسكرية تُقرأ ضمن شبكة من التفاهمات والوساطات الموازية للقتال. توزّعت إدارة الجبهات السورية بين قنوات عسكرية وأمنية وإنسانية ودبلوماسية متزامنة، بحيث تعامل كل طرف مع جزء محدد من المشهد، تمثل بوقف إطلاق نار موضعي، وإجلاء مدنيين، وتبادل أسرى، وإدخال مساعدات، أو إعادة انتشار، من دون امتلاك صورة كلية ملزمة للجميع. وبهذا المعنى كان استمرار المعارك نتاج بنية تنظّم مستوى العنف وتضبط إيقاعه عبر تفاهمات جزئية، تسمح بتجميد جبهة وفتح أخرى، واحتواء تداعيات ميدانية بدل إنهائها نهائيًا.

أظهرت معركة حلب عام 2016 تنظيم الصراع أكثر من أي حدث آخر، فقد استعادت قوات نظام الأسد حينها بدعم روسي الأحياء الشرقية بعد حصار طويل وقصف مستمر، لكن بدلًا من الإبادة نُقلت القوات المقاتلة إلى إدلب عبر اتفاقات إجلاء وتفاهمات وبرنامج مصالحة وطنية بدأ بمسار إنساني. تكرر النمط السياسي في داريا والغوطة ودرعا حيث أعادت الحرب توزيع الفاعلين جغرافيًا بدل القضاء عليهم، واستبدلت التشظي بالتجميع وتحولت سورية من تمرد متقطع إلى مناطق سيطرة محددة، وهو شرط للاستقرار التفاوضي، فأظهر سقوط حلب منطق الحرب المُدارة حيث يتحقق النصر داخل حدود متفق عليها بالتوازي مع القتال.

أنظمة منع التصعيد وحرب بقواعد

طوال الصراع أنشأت الجيوش المتنافسة إجراءات تمنع الانفجار مثل خطوط اتصال جوية وتبليغ مسبق ببعض الضربات ومناطق عازلة وهدن محلية، وهذه الآليات لا تعمل دون تواصل دائم رسمي أو غير رسمي، ما يعني أن الحرب كانت أقرب إلى منافسة منظمة من فوضى مطلقة. هنا تكتسب وساطات الظل (على الأقل التي ظهرت في تسريبات إبستين) أهميتها لأنها تحمل المقترحات وتوضح النوايا وتمنع سوء الحساب، وتفسر نمطًا لافتًا يتمثل في قتال عنيف بلا صدام بين القوى الكبرى والداعمين والممولين والمراهنين على نجاح المعارك وخساراتها. كل جيش خاض حربًا مختلفة داخل الجغرافيا نفسها، فالجيش السوري النظامي سعى لاستعادة الأرض وروسيا لإسقاط النفوذ وواشنطن لاحتواء الإرهاب وتركيا لمواجهة الانفصال الكردي وإسرائيل لمنع التمركز الإيراني، وبما أن الأهداف تتقاطع جزئيًا فقط فإن النصر الكامل لطرف يهدد الآخرين ولذلك اعتمد التوازن على تقييد النجاح.

هنا، لم تكن الجماعات المسلحة مجرد مقاتلين بقدر ما تم ترقيتها لتصبح أدوات تفاوض، فدعم ميليشيا معينة أو فصيل معين في منطقة ما من سورية يرفع القدرة التفاوضية لدى الضامنين، وعند تقدم المحادثات تهدأ الجبهات وعند تعثرها تشتعل، فشكل الضغط العسكري والحركة الدبلوماسية دورة واحدة. عمليًا، عطّل داعش هذه المنظومة لأنه رفض التفاوض، وبعد هزيمته عادت المنافسة المضبوطة كما في إدلب حينها.

في مثل هذا المناخ تبدو شبكات الاتصال غير الرسمية (المشاهير، الاقتصاديون ورجال الأعمال وسياسيون وأبناء عائلات حاكمة) منطقية بنيويًا لأنها تسمح للخصوم باستكشاف النتائج دون تنازلات علنية، وقد احتاجت الحرب السورية إلى إشارات مستمرة حول حدود التقدم والأهداف المرفوضة والتسوية الممكنة، ولذلك لم تتحكم القنوات بالحرب، بل جعلت إدارتها ممكنة وربطت التطورات العسكرية بالحدود السياسية ومن دونها كان خطر التصعيد سيتضاعف.

بعد 2018 استقرت الخريطة إلى قطاعات دائمة ولم يحاول أي طرف الحسم الكامل، بل أصبح الهدف تشكيل التوازن المستقبلي لا إنهاء الصراع، فتطورت سورية إلى توازن تفاوضي قائم على الردع والتعديل الدوري، ما يعكس تحولًا أوسع في الحروب الحديثة حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة الحاسمة وتتنافس عبر الوكلاء والمعارك المحدودة والتصعيد المضبوط، وكانت سورية المثال الأوضح.

ظهرت تسريبات متعددة مرتبطة بنظام بشار الأسد وبالفاعلين العسكريين على الأرض، لكنها لم تكن ملفًا واحدًا متماسكًا بقدر ما كانت مواد متفرقة خرجت من مصادر وصيغ مختلفة. فمنها مراسلات بريد إلكتروني كُشف عنها عام 2012 أظهرت نقاشات داخلية حول إدارة الخطاب الإعلامي والتعامل مع العقوبات والتواصل مع مستشارين وشخصيات خارجية، وهي لم تقدّم أدلة على قرارات عسكرية مباشرة بقدر ما كشفت أسلوب التفكير واتخاذ القرار داخل الدائرة الضيقة.

إلى جانبها برزت وثائق إدارية وأمنية ظهرت في تقارير حقوقية ومحاكم أوروبية، تضمنت أوامر وسلاسل توقيع وتقارير ميدانية، ما أتاح فهم البنية البيروقراطية العسكرية لانتقال القرار داخل مؤسسات الدولة الأمنية وطريقة تعاملها مع الجماعات والفصائل والمليشيات المنتشرة في البلاد. كما ظهرت تسريبات مالية ضمن تحقيقات دولية حول شركات خارجية وملكيات وعلاقات اقتصادية للنخبة المحيطة بالسلطة وترتيبات صفقات سلاح، لا سيما وصول تفاهمات مع داعش لبيع النفط مقابل السلاح، وقد سلطت الضوء على اقتصاد السلطة أكثر من السياسة اليومية. وبذلك فإن أهمية هذه التسريبات لا تكمن في معلومة صادمة واحدة، بل في أنها مجتمعة ترسم صورة عن كيفية عمل النظام كمنظومة متعددة المستويات وتفاعلاتها مع النظام الدولي والإقليمي، تجمع بين الاتصال والتوجيه الإداري والاقتصاد والواقع الميداني.

أحدث الاخبار