
بقلم رامي مهداوي
أنت بحاجة، عند قراءة رواية "على درب مريم" للكاتبة نادية حرحش، إلى دفترٍ وقلم، لا لتدوين أحداثٍ عابرة، بل لالتقاط طبقاتٍ من المعنى تتراكم صفحةً بعد صفحة، وإلى فنجان قهوةٍ طويلٍ أو حتى قطعة شوكولاتة تُعينك على احتمال كثافة النصّ؛ فهذه ليست رواية تُقرأ على عجل، بل عمل يستدعي قارئًا يقظًا، مستعدًا لأن يُبطئ إيقاعه كي يواكب إيقاعها الداخلي.
تنهض الرواية على مشروع سرديّ مركّب يتجاوز الحكاية إلى مساءلة البنية العميقة للوعي الجمعي، وخصوصًا الوعي المتشكّل حول المرأة في فضاء دينيّ–اجتماعيّ–سياسيّ مضطرب. ما يدهش في هذا العمل ليس فقط تعدّد الحكايات، بل قدرة الكاتبة على جعل هذا التعدّد يخدم وحدةً رمزيةً كبرى: مريم بوصفها كيانًا متشظّيًا يتكرّر عبر أربع نساء، ليصير الاسم قدرًا، والقدر دورةً تاريخية لا تنتهي.
تقوم الرواية على تشابك حبكات متوازية، لكنها ليست روايات منفصلة، بل أطوار لمريم واحدة. هذا البناء يخلق لدى القارئ إحساسًا بالتوقّع المسبق، كأنّ ثمة رؤية قدرية تحكم المصائر، ثم تفاجئه الكاتبة بانكسار التوقّع، ليس عبر حبكة بوليسية أو مفاجأة شكلية، بل عبر تعميق الألم. التوقّع هنا ليس مدخلًا إلى الاطمئنان، بل إلى صدمة أشدّ. وكأن النصّ يقول إنّ معرفة القارئ بطبيعة القهر لا تعفيه من فداحة نتائجه.
الرواية تنسج تناصًّا واضحًا مع الكوميديا الإلهية لــدانتي أليغييري، حيث تتوزّع حيوات المريمات بين جحيم ومطهّر وفردوس. لكن الفردوس هنا ليس خلاصًا نهائيًا، بل لحظة عابرة تُخدش سريعًا. كما تتكئ على أسطورة عشتار في نزولها إلى العالم السفلي بحثًا عن تمّوز، فتغدو المريمات تجليات حديثة للأمّ الكبرى التي فقدت مركزها في مجتمع أبويّ أطاح بالألوهة المؤنّثة. بهذا المعنى، لا تُقرأ المآسي بوصفها حوادث فردية، بل كأصداء لسقوط تاريخي أعمق.
أحد أهمّ مفاتيح النصّ هو ثنائية العذراء/المجدلية. الذاكرة الدينية الشعبية صنعت من الاسمين قطبين متقابلين: الطهر المطلق أو الخطيئة المطلقة. الرواية تفكّك هذا التقابل وتكشف زيفه؛ فالمرأة تُحاصر بين صورتين جاهزتين، وتُمنح “شهادة أخلاقية” وفق مزاج مجتمع يخلط الدين بالأعراف. إنّ التعميم الذكوري الذي يوزّع النساء في قوالب ليس بريئًا، بل آلية ضبط رمزية تحوّل الاسم إلى سجن.
ومع ذلك، يمكن الاعتراض فلسفيًا على نزعة التعميم المضادّ التي تكاد تُدين الذكورة بوصفها جوهرًا لا سلوكًا. هنا يبرز سؤال العلاقة التبادلية: هل القهر نتيجة طبيعة ذكورية خالصة، أم نتاج بنية اجتماعية تشاركية تُعيد إنتاج ذاتها عبر استكانة البعض وصمت البعض الآخر؟ الرواية تميل إلى الإدانة الحاسمة للرجل، ونادرًا ما تمنحه مساحة تعقيد أخلاقي. هذا الاختيار يخدم أطروحتها النسوية، لكنه يفتح بابًا للنقاش حول إمكان تجاوز ثنائية الضحية/الجلاد نحو مساءلة أعمق للبنية التي تنتج الاثنين معًا.
في البنية السردية، يتجلّى تجانس الشكل والمضمون بوضوح. تعدّد المريمات ليس حيلة شكلية، بل تجسيد لفكرة التكرار التاريخي. كل مريم تبدأ من حيث انتهت الأخرى، كما لو أن الزمن دائريّ لا خطّي. موت الابنة "يافا" لحظة اكتمال فردوس الرابعة يرمز إلى استحالة الكمال، بل إلى سقوط جديد يعيد الدورة إلى بدايتها. الاسم هنا ليس اختيارًا عاطفيًا؛ إنه إحالة سياسية إلى فقدان المدينة/الوطن، لتصبح خسارة الأمّ صورة مصغّرة عن خسارة الأرض.
القدس في الرواية ليست خلفية جغرافية، بل مركزًا رمزيًا تتكثّف فيه التناقضات. إنها المدينة التي تختصر المدن، والاسم الذي يبتلع الأسماء. كما أن "تمار" تمثّل بعدًا مانويًا واضحًا، يتنازع فيه النور والظلام. حياتها بين الفردوس الباريسيّ والجحيم الواقعيّ ليست انفصامًا نفسيًا فحسب، بل استعارة للإنسان الممزّق بين مثاله وواقعه. موتها برصاص جنديّ إسرائيليّ يعيد المأساة إلى سياقها السياسيّ، ليؤكّد أن القهر النسويّ لا ينفصل عن القهر الوطنيّ.
على مستوى اللغة، تميل الكاتبة إلى المباشرة الواضحة، مع انزياحات أسطورية تضفي كثافة رمزية. أحيانًا يثقل التناصّ كاهل السرد، لكنه في المجمل يخدم الرؤية، ويمنح النصّ عمقًا يتجاوز الواقعيّ إلى الفلسفيّ. القارئ لا يخرج بحكاية فقط، بل بتجربة تأملية حول معنى العدالة، والحبّ، والحرية.
في المحصّلة، "على درب مريم" ليست رواية عن أربع نساء بقدر ما هي ملحمة عن امرأة واحدة تتكرّر عبر العصور. مريم هي كلّ امرأة تبحث عن ذاتها في مجتمع يقيّدها بالاسم قبل الفعل، وهي أيضًا كلّ فلسطينيّ يبحث عن خلاصه في مدينة تتنازعها الأسوار. إنها رواية عن الفردوس الممكن والمستحيل في آن، عن السعي الدائم نحو نورٍ يُدرك لحظة ثم ينطفئ، لتبدأ الرحلة من جديد.