
غزة -PNN- قالت صحيفة “لوموند” إن آلاف العائلات في غزة تعيش في حالة انتظار مرير، لا تعرف ما إذا كان أقاربها في عداد الأسرى أم أنهم قضوا تحت القصف، في ظل واحدة من أكبر أزمات المفقودين في تاريخ القطاع.
فمنذ 28 شهرًا، تمنع إسرائيل دخول الصحافة الأجنبية إلى قطاع غزة. ومثل آلاف الغزيين الباحثين عن إجابات حول مصير أقاربهم المفقودين، لا تعرف عائلة أبو ماضي ما الذي حلّ باثنين من أبنائها، ملك ويوسف.
وبعد أن كانت العائلة قد أُجبرت قبل شهر على النزوح إلى منطقة المواصي الساحلية، قرر ملك ويوسف، البالغان 20 و18 عامًا، العودة إلى منزل العائلة لجلب كتب ولوازم دراسية.
وتوضح الأم: “كانت ملك تدرس التمريض، وكان يوسف يستعد لامتحان الثانوية العامة. أرادا مواصلة دراستهما. كانت ملك متطوعة في مستشفى ناصر وأرادت استعادة معطفها الطبي الأبيض”. في ذلك اليوم كان عمّ الشابين وزوجته وابنتاهما داخل المنزل بعدما عجزوا عن العثور على مكان للاحتماء.
وتروي الأم: “كانت الساعة السابعة والنصف صباحًا. كنا نتبادل الرسائل معهما. قالوا إن الدبابات الإسرائيلية تقترب. طلبنا منهما المغادرة سريعًا ورفع قطعة قماش بيضاء. ثم فجأة انقطع الاتصال”.
وأشارت “لوموند” إلى أن الدفاع المدني والشرطة العلمية لم يتمكنا من الوصول إلى المكان إلا بعد أيام بسبب وجود الجيش الإسرائيلي، ليجدا مشهدًا مروّعًا.
تقول الأم بصوت متهدج: “كل شيء كان مدمرًا ومحترقًا. لا أفهم… كانوا أطفالًا في الداخل. ماذا فعلوا بهم؟”.
عثرت فرق الإنقاذ على بقايا عظام محترقة ومخترقة بالرصاص، قُدّر أنها تعود لأربعة أجساد. وبسبب غياب فحوص الحمض النووي في غزة، خلصت الجهات الطبية إلى أنها على الأرجح تعود لأربع فتيات. أما الذكور فقد يكون قد تم نُقلهم، أحياء أو أمواتًا، على يد الجيش الإسرائيلي.
وأوضحت “لوموند” أن احتجاز الجثامين هي ممارسة قديمة تعززت بعد هجوم حماس، وتُستخدم كورقة تفاوضية لاستعادة جنود قتلى. وبحسب صحيفة هآرتس، تحتجز إسرائيل حاليًا جثامين 766 فلسطينيًا.
واعتبرت الصحيفة أنه في خان يونس أُعلنت ملك في عداد الموتى، بينما اختفى يوسف. غير أن معاناة العائلة لم تتوقف. ففي 27 نوفمبر 2024 ظهر اسم ملك في قائمة مسرّبة لأسرى محتملين، أكدها الصليب الأحمر أولًا ثم نفاها لاحقًا.
وقد تحولت حياة العائلة منذ ذلك الحين إلى انتظار بلا نهاية. وأصبح غياب الإجابات “تعذيبًا يوميًا”. تقول الأم: “لم أعد أنام بشكل طبيعي، ولا أستطيع الضحك. ابني الأكبر مصدوم نفسيًا، والصغير يبكي كثيرًا. كل يوم أسأل: أين هما؟ هل هما في عداد الأحياء؟ هل يتعرضان للتعذيب؟ هل يشعران بالبرد؟ أصعب شيء أن أستيقظ وأعدّ أطفالي فأجد العدد ناقصًا. لي الحق في معرفة الحقيقة”.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن العائلة، مثل معظم أسر غزة التي فقدت كل شيء، عاجزة عن دفع أتعاب محام للتحقق من وجود ملك في سجن إسرائيلي.
كما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تستطع تقديم إجابات، رغم أن ولايتها وفق اتفاقيات جنيف تتيح لها متابعة ملفات المفقودين. ويقول المتحدث باسم اللجنة في غزة، إن إسرائيل رفضت أي تعاون منذ أكتوبر عام 2023، ما حال دون الوصول إلى السجون أو القوائم الرسمية، رغم تلقي 5500 طلب بحث عن مفقودين.
وأشارت “لوموند” إلى أن مركزًا فلسطينيًا أُنشئ قبل عام لتوثيق حالات الاختفاء القسري، لكنه يواجه صعوبات هائلة بسبب تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية والتنقلات القسرية للسكان. وتؤكد مسؤولة المركز أن العديد من العائلات تائهة ولا تعرف إلى من تتوجه، وأن أول ما يُقدَّم لها هو ملف قانوني يوثّق القضية، وقد تم إعداد حوالي 600 ملف حتى الآن.
كما أوضحت “لوموند” أن مصير المفقودين لا يكمن فقط في السجون، بل أيضًا تحت الأنقاض. فبعد عامين من القصف، ما زالت آلاف الجثامين مدفونة تحت حوالي 61 مليون طن من الركام، وفق تقديرات الأمم المتحدة. ويقدّر الدفاع المدني في غزة عدد المفقودين بنحو 8500 شخص، لكنه يواجه نقصًا حادًا في المعدات الثقيلة بسبب القيود المفروضة على دخول الآليات.
وكشفت الهدنة الهشة التي دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 عن حوادث مروعة، بينها عائلات كاملة دُفنت تحت مساكنها. فففي أحد المباني كان يقيم 98 شخصًا، أُخرجت جثث 77 منهم، ولا يُعرف مصير البقية.
وروت “لوموند” قصة هدى أبو هلال، الناجية الوحيدة من قصف منزل عائلتها في أغسطس الماضي، والتي عثرت على أجزاء متفرقة من أجساد أقاربها بينما اختفت شقيقتاها تمامًا. وبعد أشهر من الانتظار، لم تسفر أعمال البحث عن شيء. تقول: “كأن الصواريخ أذابت أجسادهم… أذهب كل يوم إلى الأنقاض وأجلس لأتحدث إليهم”.
وأشارت الصحيفة إلى أن غياب فحوص الحمض النووي دفع السلطات إلى إنشاء مقابر جماعية مرقمة، مع سجلات مفصلة على أمل التعرف إلى الضحايا مستقبلًا. ويمكن للعائلات الاطلاع على صور الجثامين عبر موقع إلكتروني، لكن التحلل يجعل التعرف شبه مستحيل.
وأكدت “لوموند” أنه تم العثور على نحو 700 جثة خلال أربعة أشهر فقط، فيما ما تزال أكثر من نصف مساحة غزة مناطق مغلقة تحت السيطرة الإسرائيلية، ما يمنع الوصول إلى عائلات كاملة يُعتقد أنها قُتلت. وترى الجهات الحقوقية أن هذا الوضع يعرقل توثيق مصير آلاف الأشخاص.
رأت الصحيفة الفرنسية أن خطط تحويل غزة إلى مشروع سياحي فاخر خلال سنوات قليلة تصطدم بواقع مختلف، حيث ما تزال الأرض تمثل بالنسبة لآلاف العائلات مقبرة مفتوحة تبحث فيها عن أحبائها.