
أمريكا وإيران والجنون المنضبط: حسابات حربٍ لن تقع ..المستشار د. أحمد يوسف
رغم التصعيد في لغة الخطاب، والحشد غير المسبوق للقدرات العسكرية الأميركية في المنطقة، وسياسة “حافة الهاوية” التي ينتهجها الرئيس الأميركي ترامب، مقابل تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي التي تعكس نبرة الندية والإصرار على الرد على التهديدات الأميركية والإسرائيلية؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نحن أمام مواجهة عسكرية وشيكة بين واشنطن وطهران؟ وما هي فرص نجاح الولايات المتحدة في تغيير النظام السياسي في إيران؟ وفي المقابل، ما حدود القدرة الإيرانية على الرد العسكري؟ وهل يمكن لإيران استهداف حاملات الطائرات والقواعد الأميركية في المنطقة؟ وما تداعيات ذلك على أمن واستقرار الإقليم والعالم؟
من يقرأ المشهد بعين باردة، بعيدًا عن الانفعال الإعلامي، يدرك أن ما يجري هو أقرب إلى “جنون منضبط” منه إلى اندفاع أعمى نحو الحرب. فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية سريعة، ولن تنتهي بضربة جراحية محدودة، بل قد تفتح أبواب المنطقة على فوضى استراتيجية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. كما أن تجربة العراق وأفغانستان ما زالت حاضرة في الذاكرة الأميركية، بما كلفته من أموال وسمعة ودماء.
أما الحديث عن تغيير النظام في إيران، فهو شعار يتكرر في أروقة السياسة الأميركية منذ عقود، لكنه لم يتحول يومًا إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ. فالنظام الإيراني، على الرغم من أزماته الداخلية والعقوبات الخانقة، أثبت قدرة على التكيف والبقاء، مستندًا إلى بنية مؤسساتية أمنية وعسكرية متماسكة، وإلى شبكة تحالفات إقليمية ودولية لا يُستهان بها.
في المقابل، لا يمكن التقليل من القدرات الإيرانية. فطهران طورت خلال السنوات الماضية منظومة صاروخية متقدمة، وأثبتت قدرتها على العمل في مسارح متعددة عبر حلفائها الإقليميين. صحيح أن استهداف حاملات الطائرات الأميركية أو القواعد الكبرى سيبقى خيارًا عالي الكلفة، لكنه ليس مستحيلاً في حال اندلاع مواجهة مفتوحة. وأي إصابة مباشرة لمصالح أميركية استراتيجية ستعني دخول المنطقة في دوامة تصعيد لا يمكن التحكم بمآلاتها.
هنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد: فالحرب، إن اندلعت، لن تبقى ثنائية بين واشنطن وطهران، بل ستطال أمن الخليج، واستقرار العراق وسوريا ولبنان، وربما تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية، بما يهدد الاقتصاد الدولي بأزمة جديدة. لذلك، فإن حسابات الربح والخسارة لدى الطرفين تجعل خيار الحرب الشاملة أقرب إلى التلويح منه إلى التنفيذ.
في تقديري، سيظل ترامب يحشد ويهدد ويتوعد، لكنه لن يقدم على ضربة عسكرية تقود إلى حرب إقليمية واسعة. الرجل يدرك أن أي انزلاق كبير قد يقلب الطاولة عليه داخليًا، خاصة في ظل ما يلاحقه من أزمات سياسية وفضائح، وما يشهده محيطه الحزبي من تململ وتراجع في الدعم. ورغم الصورة التي يحاول رسمها لنفسه كرئيس لا يتردد في استخدام القوة، فإنه ليس معنيًا بخيار “شمشون” الذي يهدم المعبد عليه وعلى خصومه في الداخل والخارج.
الأرجح أن تنتهي جولة التصعيد هذه إلى مخرجات تفاوضية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، يتم تسويقها داخليًا في واشنطن باعتبارها إنجازًا سياسيًا وأمنيًا. وإذا تحقق ذلك، فلن يجرؤ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الذهاب منفردًا إلى مواجهة عسكرية مع إيران، لأن أي حرب مفتوحة قد تعني نهاية مستقبله السياسي، وربما إدخال الدولة العبرية في مأزق وجودي، خاصة في ظل عزلتها الدولية المتفاقمة بعد حرب غزة وتعاظم الدعوات العالمية لحل عادل للقضية الفلسطينية.
أما إيران، فهي لن تبادر بضربة استباقية، ولن تسعى إلى إشعال حرب لا تحتاجها في هذه المرحلة. لكنها، في الوقت نفسه، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما تعتبره تهديدات وجودية. وستواصل تطوير قدراتها الردعية، وتعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، بما يكرس موقعها كقوة إقليمية وازنة ضمن نظام دولي يميل تدريجيًا إلى التعددية القطبية.
إيران في الذاكرة التاريخية ليست دولة طارئة، بل وريثة الإمبراطورية الفارسية التي بسطت نفوذها يومًا على مساحات واسعة من العالم. وهي تدرك أن الركوع تحت الضغط الأميركي سيعني تقويض مشروعها الإقليمي ومكانتها الدولية. لذلك، ستناور، وتفاوض، وتراكم أوراق القوة، دون أن تندفع إلى مواجهة شاملة.
خلاصة القول: نحن أمام تصعيد محسوب، ولغة نارية تخدم حسابات الردع أكثر مما تمهد للحرب. المواجهة العسكرية الشاملة لن تقع، لأن كلفتها تتجاوز قدرة الطرفين على الاحتمال. وسيخرج النظام الإيراني، على الأرجح، أكثر حضورًا وتأثيرًا، فيما تسعى واشنطن إلى حفظ ماء الوجه عبر اتفاق أو تفاهم جديد. إنها حسابات دقيقة لحرب يُراد لها أن تُلوَّح بها، لا أن تقع.