
يكشف تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تنفيذ تهديده بضرب منشآت الطاقة الإيرانية عن بنية تفكير قائمة على إدارة الحرب بوصفها امتدادًا مباشرًا لعملية تفاوض قسرية، حيث تتحول المهلة الزمنية إلى أداة ضغط، وتتحول الإشارات العسكرية إلى رسائل تفاوضية، ضمن منطق يرى أن القوة لا تُستخدم فقط للحسم بل لإعادة صياغة شروط التفاوض نفسها، وهو ما يتجسد في إعلانه تأجيل الضربة بالتزامن مع الحديث عن قنوات اتصال غير مباشرة عبر أطراف إقليمية، بما يعكس نمطًا من الدبلوماسية القسرية التي تُدار من خلال الحافة العسكرية أكثر مما تُدار عبر القنوات التقليدية. ومع ذلك، يبقى ترامب يلوّح بعملية برية، لا سيما عبر إرسال جنود من المارينز إلى المنطقة، والضغط على دول مثل السعودية والإمارات للدخول في الحرب، وربما احتلال جزيرة خرج الإيرانية.
تعكس الضغوط الإقليمية المقابلة، لا سيما من دول الخليج، أحد أهم محددات هذا التحول، حيث يدفع الخوف من انزلاق الحرب نحو استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة إلى إعادة ضبط السلوك الأميركي، وتتحول المخاوف من توسع نطاق الرد الإيراني إلى عنصر ضاغط يعيد تشكيل حسابات القرار في واشنطن، في وقت تفتح فيه قنوات خلفية عبر وسطاء إقليميين مثل قطر وعُمان وتركيا، بما يعزز فرضية أن الإقليم ذاته أصبح ساحة تفاوض غير مباشر، تُدار فيه التوازنات عبر وسطاء أكثر من الأطراف المباشرة.
يعيد العامل الاقتصادي تشكيل مسار القرار الأميركي عبر تأثير الحرب المباشر في أسواق الطاقة، حيث يدفع ارتفاع أسعار النفط إلى إدخال الحسابات الانتخابية الداخلية ضمن معادلة الحرب، وتتحول إدارة الإمدادات العالمية إلى جزء من استراتيجية الصراع، ويتجسد ذلك في قرارات مثل تخفيف القيود على بيع النفط الإيراني، بما يعكس محاولة مزدوجة لاحتواء اضطراب الأسواق وتخفيف الضغط السياسي الداخلي، في سياق تتحول فيه الحرب من حدث عسكري إلى متغير اقتصادي مؤثر في توازنات السياسة الأميركية الداخلية.
يفتح البحث عن مخرج دبلوماسي بابًا لفهم أعمق لطبيعة المأزق الأميركي، حيث تدفع كلفة الحرب المرتفعة وفشل فرضيات الحسم السريع إلى إعادة التفكير في جدوى الاستمرار في التصعيد، ويتحول الضغط العسكري إلى وسيلة لدفع النخب داخل النظام الإيراني نحو التفاوض، خصوصًا وأن الجيل القديم المتعنّت من القادة الإيرانيين قد لقي حتفه نتيجة الاستهدافات الأميركية والاغتيالات الدقيقة، ضمن تصور يستلهم نماذج سابقة، غير أن تماسك البنية السياسية الإيرانية يعيد إنتاج توازن مختلف، ويجعل خيار التسوية أكثر تعقيدًا في ظل غياب مؤشرات على انقسام داخلي قابل للاستثمار.
يوظف عنصر الخداع الاستراتيجي بوصفه أداة مركزية في إدارة المشهد، حيث تتحول المهلة الزمنية إلى غطاء لإعادة التموضع العسكري، وتتحرك القوات الأميركية نحو المنطقة بالتوازي مع طرح مبادرات تفاوضية، بما يعكس نمطًا مركبًا يجمع بين التصعيد والتهدئة في آن واحد، ويؤسس لبيئة غامضة يصعب فيها الفصل بين النية الفعلية والمناورة التكتيكية، وهو ما يعيد تعريف الحرب بوصفها عملية متعددة الطبقات تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الإشارات السياسية.
في هذا المسار، تكشف التباينات بين الحسابات الأميركية والإسرائيلية عن تعقيد إضافي في إدارة الصراع، حيث تدفع إسرائيل نحو توسيع نطاق الحرب واستهداف البنية التحتية الإيرانية بهدف إضعاف الدولة نفسها، بينما تسعى واشنطن إلى موازنة بين التصعيد وإمكانية التوصل إلى تسوية، ضمن سياق تتحول فيه الحرب إلى ساحة شدّ بين رؤيتين: رؤية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الإيراني بالقوة، وأخرى تبحث عن إعادة ضبط سلوكه ضمن توازن جديد.
هنا تعيد الحسابات الخاطئة التي بُنيت عليها الحرب تشكيل المشهد الاستراتيجي، لا سيما وأن ترامب لم يُعر انتباهًا للنصائح داخل حزبه حول عدم الإقدام على الحرب وعدم معرفة تبعاتها الدقيقة في ظل التعامل مع نظام عميق مثل النظام الإيراني، وفي ظل التفاف المعارضة الإيرانية على الشارع الإيراني باعتبار هذه الحرب حربًا وجودية، حيث يؤدي الرهان على انهيار النظام الإيراني إلى نتائج معاكسة تعزز تماسكه الداخلي، وتدفع المجتمع السياسي نحو الاصطفاف خلف القيادة، بما يضعف فرص إحداث اختراق سياسي سريع، ويجعل من الحرب مسارًا مفتوحًا على احتمالات استنزاف طويلة، تتداخل فيها الكلفة العسكرية مع التداعيات الاقتصادية والسياسية.
تضع شروط واشنطن لإنهاء الحرب إطارًا تفاوضيًا أقرب إلى إعادة هندسة شاملة للقدرة الإيرانية، حيث تتمحور حول تفكيك البرنامج النووي وتقييد القدرات الصاروخية وإنهاء الدور الإقليمي، مقابل رفع العقوبات وإدماج إيران في ترتيبات اقتصادية جديدة، وهو ما يحول الاتفاق المحتمل إلى عملية إعادة تشكيل كاملة لمكانة إيران في النظام الإقليمي، أكثر من كونه تسوية تقليدية لنزاع عسكري.
ترسم هذه المعطيات مشهدًا مفتوحًا على مفترق استراتيجي حاد، حيث يدفع استمرار الحرب دون تعريف واضح للنصر نحو سيناريو استنزاف طويل، بينما يقود التصعيد نحو احتمالات انهيار واسع النطاق في الإقليم، ويتحول البحث عن مخرج إلى ضرورة سياسية داخلية وخارجية في آن واحد، ضمن سياق يضع ترامب أمام خيارين ثقيلين: إما فرض تسوية بشروط القوة، أو الانزلاق نحو حرب تعيد تشكيل الشرق الأوسط بكلفة غير قابلة للاحتواء.
بين الدوحة ومسقط ومسارات الدبلوماسية
تعيد الدبلوماسية القطرية في إدارة الشأن الإيراني صياغة معادلة خفض التصعيد عبر تحويل التوتر إلى مسار تفاوضي متعدد القنوات، حيث تُفعّل الدوحة موقعها كـ"دولة عقدة" داخل شبكة إقليمية معقدة، وربما ستسمح لنفسها بالتدخل هذه المرة بطريقة أقوى، حيث ستدير تواصلًا متوازيًا مع إيران والولايات المتحدة، بما يسمح بامتصاص لحظات الاحتكاك الحاد المرتبطة بأمن الطاقة والمنشآت الحيوية في الخليج. وتُوظّف هذا الدور في حماية البنية التحتية المرتبطة بقطاع النفط والغاز، لا سيما بعد الاعتداءات المتكررة بالمسيرات والصواريخ على منشآت رأس لفان ومسيعيد، عبر بناء ترتيبات تهدئة غير معلنة تُقلّص احتمالات الاستهداف المباشر، وتدعم استمرارية تدفق الطاقة من الخليج العربي نحو الأسواق العالمية، في سياق تدرك فيه أن أي ضربة لمنشآت الإنتاج أو التصدير تعيد تشكيل سوق الطاقة الدولية فورًا. وتُكثّف الدوحة تحركاتها السياسية خلال ذروة التصعيد عبر قنوات خلفية واتصالات رفيعة، والضغط عبر طرد الملحق العسكري الإيراني، وتُعيد ضبط الإشارات بين الأطراف بما يمنع انزلاق الحوادث العسكرية نحو مواجهة واسعة، خصوصًا في ظل حساسية الممرات البحرية كمضيق هرمز. تعكس هذه المقاربة تصورًا استراتيجيًا يعتبر أن أمن المنشآت الحيوية في قطر والخليج يرتبط مباشرة بإدارة العلاقة مع طهران، وأن الوساطة لا تعمل كخيار تكتيكي مؤقت، بل كأداة أساسية لحماية الاستقرار الإقليمي، وضمان بقاء الصراع ضمن حدود يمكن احتواؤها دون أن يتحول إلى تهديد شامل للبنية الاقتصادية والمدنية في المنطقة. يأتي هذا أيضًا في ظل حديث دولة قطر عن صعوبة المسار الدبلوماسي بعد نقض إيران وعودها بالالتزام بمبدأ حسن الجوار، وأن دولة قطر ستتابع حقها في الرد والدفاع عن أراضيها وفق الأدوات المتاحة.
يعيد المسار العُماني في الوساطة تشكيل هندسة التهدئة بين إيران والولايات المتحدة عبر نموذج دبلوماسي قائم على القنوات الهادئة والاتصال المستمر بعيدًا عن الضجيج السياسي، حيث تتحول سلطنة عُمان إلى مساحة عبور موثوقة للرسائل الحساسة، وتعمل على تفكيك لحظات التصعيد عبر إدارة تفاهمات مرحلية تُبقي الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها. ويستند هذا المسار إلى تراكم طويل من المحادثات، يسمح لمسقط بلعب دور الوسيط الذي يفهم حسابات الطرفين ويترجمها إلى مقترحات قابلة للتنفيذ، خاصة في القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي، وتخفيف العقوبات، وضبط التوتر العسكري في الإقليم.
ويكتسب الدور العُماني أهمية مضاعفة في سياق التوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة، حيث تسعى مسقط إلى منع انتقال التصعيد إلى مضيق هرمز وإيقاف خطة تدويل أمن الترفيق والحماية فيه، عبر تثبيت قنوات اتصال تمنع سوء التقدير العسكري، وتُعيد ضبط الإشارات بين الأطراف في لحظات الاحتكاك. وتُدار هذه الوساطة بمنطق التدرج، حيث تُبنى التفاهمات على خطوات صغيرة تراكمية تشمل تبادل رسائل، أو اتفاقات إنسانية، أو ترتيبات مؤقتة، بما يخلق بيئة تسمح بإبطاء ديناميات التصعيد دون الحاجة إلى اتفاق شامل فوري.
لبنان وسورية وتوسيع الدائرة
يتحرك لبنان داخل معادلة شديدة التعقيد، حيث تتحول أراضيه، وخاصة الجنوب، إلى مساحة اشتباك غير مباشر بين حزب الله وإسرائيل، بما يجعل دوره أقرب إلى ساحة اختبار للردع منه إلى فاعل دبلوماسي مستقل. وتدفع الضغوط العسكرية والحرب الحالية، في ظل القصف الإسرائيلية المستمر على بيروت والجنوب واستمرار العمليات الإسرائيلية للسيطرة على جنوب الليطاني، إلى إعادة تشكيل وظيفة لبنان داخل الإقليم، حيث يصبح ضبط التصعيد على أرضه جزءًا من معادلة التهدئة الأوسع المرتبطة بإيران والولايات المتحدة.
ويعمل لبنان، عبر الدولة أو عبر قنوات غير مباشرة، على محاولة احتواء الانفجار الكامل، من خلال الحفاظ على مستوى محسوب من الاشتباك، يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة تمتد إلى بنية الجيش والقدرة العسكرية اللبنانية الرسمية؛ وفي الوقت نفسه يحافظ على توازن الردع القائم. وفي هذا السياق، يتحول عدم الانفجار بحد ذاته إلى وظيفة سياسية، تساهم في منح الوسطاء الإقليميين، مثل قطر وعُمان وتركيا، مساحة زمنية لإدارة التهدئة.
تتبنى سورية مقاربة مختلفة تقوم على ضبط الانخراط وإدارة الحدود والأمن على الحدود الغربية، حيث تسعى إلى الحفاظ على موقعها كعقدة جغرافية وأمنية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة رغم ضغوطات من واشنطن وتل أبيب، خصوصًا في ظل إعادة تموضعها الإقليمي بعد التحولات الأخيرة. وتدير دمشق هذا التوازن عبر التحكم في مستوى التفاعل مع الصراع، سواء على مستوى الحدود أو على مستوى شبكات الإمداد، بما يسمح لها بالبقاء داخل المعادلة دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب. تعيد سورية رسم هذا المشهد عبر الحديث عن ضبط مجموعة أنفاق على الحدود مع لبنان، ومنع إيصال أسلحة إلى حزب الله اللبناني، مع ضبط خلايا نائمة مرتبطة بإيران والحزب وتقديمها على أنها ضمانات لضبط الوضع دون الانخراط بشكل مباشر عبر عملية عسكرية لتطويق الحزب؛ مع غض النظر من الجانب السوري عن عمليات توغل إسرائيلية في المنطقة الجنوبية ونصب حواجز تفتيش وتنفيذ مداهمات، لا سيما في القنيطرة وريف درعا الغربي؛ مع دخول إسرائيلي من سورية إلى لبنان عبر المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
ربما تستفيد سورية من موقعها كطريق بين إيران والعراق ولبنان، لكنها في الوقت ذاته تعيد تعريف هذا الدور ضمن سقف جديد يراعي حسابات الاستقرار الداخلي وإعادة بناء الدولة، وهو ما يجعلها تميل إلى "إدارة التدفق" بدل "تصعيده". ويمنح هذا السلوك دمشق دورًا غير مباشر في خفض التصعيد، عبر تقليل احتمالات فتح جبهات إضافية أو توسيع نطاق الاشتباك.