تقرير مصلحة التشغيل الإسرائيلية: تراجع في نسبة الباحثين عن عمل وتحولات في التركيبة الاجتماعية

نشرت مصلحة التشغيل الإسرائيلية تقريرها الشهري لشهر كانون الثاني/يناير 2026 في 11 شباط/فبراير الجاري. ويُظهر التقرير استمرار التحسن النسبي في مؤشرات سوق العمل منذ مطلع العام، مع بقاء السوق في حالة "شدّ"، أي أن مستوى الطلب على العمالة لا يزال مرتفعًا نسبيًا مقارنة بعدد الباحثين عن عمل.

ووفقًا للتقرير، بلغ عدد الباحثين عن عمل في كانون الثاني/يناير 2026 نحو 158.1 ألف شخص، بانخفاض يقارب 3.6 آلاف باحث عن عمل مقارنة بشهر كانون الأول/ديسمبر، حين بلغ العدد 161.7 ألفًا. وبعد احتساب التأثيرات الموسمية، يتضح الانخفاض بصورة أكثر وضوحًا، إذ تراجع العدد من 164.5 ألفًا إلى 159.6 ألفًا.

كما تراجع عدد متلقي مخصصات البطالة إلى 115.6 ألفًا، في حين انخفض عدد متلقي مخصصات ضمان الدخل إلى نحو 36.1 ألفًا، وهو مستوى يُعدّ من الأدنى تاريخيًا، حتى مع احتساب تأثيرات الحرب.

وتشير هذه المعطيات إلى عودة تدريجية إلى مستويات "الوضع الاعتيادي" الذي ميّز سوق العمل قبل الحرب، وإن كانت بعض التحولات البنيوية في تركيبة الباحثين عن عمل لا تزال قائمة.

فجوة العرض والطلب

وفقًا لمعطيات دائرة الإحصاء المركزية، بلغ عدد الوظائف الشاغرة في كانون الأول/ديسمبر 2025 نحو 147.5 ألف وظيفة. وبمقارنة هذا الرقم بعدد الباحثين عن عمل، يتبيّن أن معدل الوظائف الشاغرة يصل إلى نحو 0.92 وظيفة لكل باحث عن عمل، أي ما يقارب وظيفة واحدة لكل شخص يبحث عن عمل. ويُعدّ هذا المعدل مؤشرًا على سوق عمل يقترب من حالة التشغيل الكامل، حيث يتوازن العرض والطلب بدرجة عالية نسبيًا.

تغيّر في تركيبة الباحثين عن عمل

من أبرز المؤشرات في تقرير مصلحة التشغيل هو التحول في تركيبة الباحثين عن عمل من حيث مستوى المهارات والتعليم. فقد ارتفعت نسبة المفصولين من أصحاب المهن ذات المهارات العالية، مثل الأكاديميين والمديرين والمهندسين، بشكل ملحوظ مقارنة بالربع الأول من عام 2022. فعلى سبيل المثال، ارتفعت نسبة الأكاديميين بين المفصولين من نحو 17% إلى قرابة 26%، كما ارتفعت نسبة المديرين من 16% إلى نحو 21%.

فعلى سبيل المثال، ارتفعت نسبة الباحثين عن عمل من فئات المديرين وأصحاب المهن الأكاديمية من 32.8% من إجمالي الباحثين عن عمل في الربع الأول من عام 2022 إلى 46.9% في كانون الثاني/يناير 2026، أي من نحو ثلث إلى ما يقارب النصف.

ويعني ذلك أن التغير الأبرز في سوق العمل لا يتمثل في حجم البطالة بحد ذاته، بل في طبيعة المهن والقطاعات الاقتصادية المتأثرة، مع توسّع دائرة المتضررين لتشمل شرائح ذات تأهيل عالٍ كانت تُعدّ تقليديًا أقل عرضة لفقدان العمل.

أما من حيث التوزيع العمري، فيبلغ عدد الباحثين عن عمل من فئة الشباب حتى سن 34 عامًا نحو 43.3 ألفًا، أي ما يشكل نحو 27.4% من إجمالي الباحثين عن عمل. وتضم الفئة العمرية 35–54 عامًا نحو 67.5 ألفًا (نحو 42.7%)، فيما يبلغ عدد من هم في سن 55 عامًا فأكثر نحو 47.2 ألفًا، أي ما يعادل 29.8% من المجموع.
وتشير هذه المعطيات إلى عودة التوزيع العمري إلى النمط الذي كان سائدًا قبل الحرب. كما يُلاحظ أن فئة الشباب تكون عادة الأكثر تأثرًا في فترات الأزمات، لكنها في الوقت نفسه تُظهر قدرة أسرع على التعافي والاندماج مجددًا في سوق العمل.

أما من حيث التوزيع الجندري، فتُشكّل النساء 54.3% من إجمالي الباحثين عن عمل، بما يعادل نحو 85.9 ألف امرأة، مقابل 45.7% من الرجال، أي نحو 72.2 ألف رجل. ويُظهر هذا التوزيع استقرارًا نسبيًا في الفجوة الجندرية، مع استمرار ارتفاع نسبة النساء بين المسجلين في مصلحة التشغيل مقارنة بالرجال.

تغيّر في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية

تفحص مصلحة التشغيل معطيات الباحثين عن عمل أيضًا وفق تصنيف العناقيد الاجتماعية-الاقتصادية للبلدات. وبحسب هذا التقسيم، يتبيّن أن نحو 56.5 ألفًا من الباحثين عن عمل في كانون الثاني/يناير 2026 يقيمون في تجمعات ذات مستوى اجتماعي-اقتصادي منخفض (التدريج 1–3)، ويشكلون نحو 35.7% من إجمالي المسجلين.

في المقابل، ينتمي نحو 69.7 ألف شخص إلى التجمعات المتوسطة (التدريج 4–7)، أي ما يعادل 43.5% من المجموع، فيما يقيم 32.9 ألفًا في تجمعات ذات مستوى مرتفع (التدريج 8–10)، ويشكلون 20.8% من إجمالي الباحثين عن عمل.

يتبيّن من ذلك أن أحد أبرز التحولات في تركيبة الباحثين عن عمل يتمثل في ارتفاع نسبة المنتمين إلى الفئات الاجتماعية-الاقتصادية المرتفعة (المستويات 8–10)، إذ ارتفعت حصتهم من نحو 15% في عام 2023 إلى حوالي 20.8% في عام 2026. في المقابل، تراجعت نسبة الباحثين عن عمل من الفئات الضعيفة (المستويات 1–3) من نحو 42% إلى حوالي 35.7% خلال الفترة ذاتها، ما يعكس تغيرًا ملحوظًا في الخريطة الاجتماعية للباحثين عن عمل. في غضون ثلاث سنوات، تراجعت حصة الباحثين عن عمل الذين يسكنون في التجمعات الاجتماعية-الاقتصادية المنخفضة بنحو 7 نقاط مئوية، في حين ارتفعت حصة القادمين من التجمعات المرتفعة بنحو 6 نقاط مئوية.

ويعني ذلك أن نسبة متزايدة من الباحثين عن عمل اليوم تنحدر من بلدات أقوى اجتماعيًا-اقتصاديًا، وغالبًا ما تتمتع بمستويات تعليم أعلى ومهارات متقدمة، الأمر الذي يعمّق المنافسة على الوظائف النوعية ذات الأجور المرتفعة.

التركيبة القومية

يُظهر تقسيم البيانات حسب الانتماء القومي أنه في كانون الثاني/يناير 2026 كان مسجّلًا في مصلحة التشغيل نحو 104.2 ألف باحث عن عمل من اليهود غير الحريديم، ونحو 11.3 ألفًا من الحريديم — بانخفاض طفيف يقارب 3% مقارنة بشهر كانون الأول/ديسمبر 2025 — إضافة إلى نحو 42.5 ألف باحث عن عمل من المجتمع العربي.

وعند النظر إلى الصورة الأوسع مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، يبرز ارتفاع حصة اليهود غير الحريديم من إجمالي الباحثين عن عمل، إذ ارتفعت نسبتهم من نحو 60.9% في كانون الثاني/يناير 2023 إلى نحو 65.9% في كانون الثاني/يناير 2026، في حين تراجعت نسبة الحريديم بشكل طفيف من 7.5% إلى 7.2%.

أما نسبة الباحثين عن عمل من المجتمع العربي، فقد تراوحت بين نحو 26.9% و32.8%، وهي نسبة تفوق حصتهم في مجمل السكان، ما يعكس استمرار الفجوة البنيوية في أنماط الاندماج في سوق العمل.

التوزيع الجغرافي

تعرض معطيات مصلحة التشغيل صورة تفصيلية للتوزيع الجغرافي للباحثين عن عمل في البلدات التي يزيد عدد سكانها على 40 ألف نسمة. وتشير النتائج إلى أن أعلى نسب الباحثين عن عمل تتركز في مدن عربية أو مدن مختلطة، من بينها: أم الفحم (5.7%)، رهط (5.5%)، عكا (4.6%)، والناصرة (4.1%).

في المقابل، تسجل مدن ذات مستوى اجتماعي-اقتصادي مرتفع، مثل رعنانا، كفار سابا، ورمات هشارون، نسبًا منخفضة نسبيًا من الباحثين عن عمل، تدور حول 2%، ما يعكس الفوارق البنيوية بين المناطق من حيث فرص العمل ومستوى الاندماج في سوق العمل.

استقرار أسواق العمل

بالمجمل، تُظهر معطيات سوق العمل الإسرائيلي في كانون الثاني/يناير 2026 انخفاضًا طفيفًا في عدد الباحثين عن عمل، إلى جانب استمرار حالة "الشدّ" في السوق، أي وجود طلب مرتفع نسبيًا على الأيدي العاملة ومستوى عالٍ من الوظائف الشاغرة. كما يتضح أن نسبة الباحثين عن عمل من المجتمع العربي ما تزال أعلى من حصتهم في إجمالي السكان، وأن البلدات العربية تتصدر معدلات البحث عن عمل مقارنة بغيرها من المناطق.

ورغم الاستقرار النسبي في حجم التسريحات، يبرز تغيّر واضح في تركيبة المهن المتأثرة؛ إذ نلاحظ دخول شرائح أقوى من حيث مستويات التعليم والمهارات إلى دائرة الباحثين عن عمل، مقابل استقرار أو تراجع طفيف في نسبة المهن التي تتطلب مستويات أدنى من التعليم والمهارة.

وبوجه عام، لا تشير المعطيات إلى أزمة بطالة واسعة، بل إلى تحوّل بنيوي في طبيعة العرض والطلب داخل سوق العمل، مع تحديات متزايدة في ملاءمة المهارات، ما يستدعي سياسات تدريب وإعادة تأهيل موجهة لمعالجة الفجوات القائمة.

أحدث الاخبار