
بين جنوب وادي غزة وشمال الليطاني ..تأييد زهير دبعي
يكاد سيناريو غزة أن يتكرر اليوم في لبنان، مع اختلاف ليس بهين بالتفاصيل، العدو ذاته يستخدم نفس الأساليب الإجرامية بهدف تهجير المواطنين، نفس أوامر الإخلاء في القطاع إلى جنوب وادي غزة قبل سنيتن ونيف، والآن إلى شمال الليطاني في لبنان، بهدف الاستيلاء على مزيد من الأراضي وصولا لتحقيق نبوءة "إسرائيل الكبرى"، ونفس العقلية التي نصبت نفسها ممثلا وحيدا "للمقاومة" وأصبغت على نفسها صفة القداسة الدينية، وأسهمت إسهاما جديا في زرع الفرقة وإضعاف المجتمعين الفلسطيني واللبناني.
جهات اتخذت ونفذت قرارا ذات ليل لم يكن يعلم عنه سكان الجنوب والضاحية ولا سكان غزة أي شيء، تحمل أيديولوجيا تلخصها أفكار الإمام الخميني الذي دعا إلى رفض الوطنية لصالح العقيدة الإسلامية واعتبر أن صيانة الجمهورية الإسلامية أهم من حياة الأفراد، فلا نستغرب إذن كيف تتخذ أذرعها في فلسطين ولبنان قرارات دون أي اعتبار للمدنيين ولا لما يجري لهم من قتل أو تشريد، تلقي بهم في أتون معركة طاحنة دورهم فيها أن يكونوا حطبا يحترق من أجل العقيدة والفكرة. يتسابقون على ارتكاب الأخطاء ومراكمة الغباء الاستراتيجي ووحدهم الأبرياء من الشعبين الفلسطيني واللبناني من يدفعون الثمن. سيخرج قائل ليقول بأنهم ضحوا بأنفسهم وعائلاتهم، إن التضحية بالنفس لهي جزء من مسؤوليتهم عن قراراتهم ونهجهم، لكن المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين لم يكونوا جزاء من هذا القرار، فلا مجال للمقارنة بين من يضحي بنفسه ومن يضحى بهم.
ما وصلنا له اليوم لم يكن نتيجة أننا نواجه عدو إبادي توسعي متوحش يرسم حدوده التي تكبر كل يوم بالدم والمجازر فقط، بل بالرجعية الفكرية والدينية التي لا تفسر أزمات مجتمعاتها سوى بالهروب إلى نصوص وأساطير دينية عمرها آلاف السنوات، تسلخ عن سياقها التاريخي وتلصق في الحاضر على أنها تفسير وحل لما يجري اليوم. وبدلا من مواجهة الرواية الصهيونية بالعلم والمعرفة والحقائق التاريخية التي تنسف هذه الرواية من أساسها، حاربوا الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل بالأساطير، مستغلين ايمان الملايين وأكثر مدن المسلمين قدسية لإطفاء الشرعية على كل ما يقومون به، فمن فيلق القدس، إلى سرايا القدس وآخرها طوفان الأقصى وغيرها الكثير.
تلقفت إسرائيل هذه القوى واستغلتها لصنع عدو ذو طابع إسلامي مفصل على قياسها، وهو ما قدم خدمات لها كدولة استعمارية قامت على أسس دينية سعت منذ تأسيها دون هوادة إلى تحويل الصراع إلى صراع ديني بين اليهود "المضطهدين" وبين "متطرفين إسلاميين" يريدون القضاء عليهم، بدل أن نحرص على الابتعاد عن إطفاء الطابع الديني والإبقاء على أصل الصراع بأنه صراع استعماري إمبريالي توسعي قائم على التطهير العرقي والعنف وبين شعوب تناضل من أجل حماية حقها التاريخي في البقاء على أرضها. إن الشعوبية وتعميم الغباء الاستراتيجي والتطرف الديني ومفاهيم مثل المحاور الوهمية ووحدة الساحات ورهن قضايا النضال الوطني بدول وأنظمة حاكمة بعينها أسهم بشكل جدي إلى ايصالنا إلى ما نحن فيه. إن تحويل الصراع مع المشروع الصهيونية إلى مجرد "ساحة" تدور فيها حروب بالوكالة عن دولة إيران التي رغم العداء الكبير ظاهريا مع إسرائيل فإنه لم يكن سوى صراع مشروعين يسعيان للسيطرة على المنطقة بإضعافها وشرذمتها، ورغم ذلكـ، فإن إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بحرب أمريكية إسرائيلية لن يصب إلا في مصلحة عدونا الأخطر إسرائيل الذي سيزيح منافسا إقليميا قويا ليطرح نفسه القوة الوحيدة في "الشرق الأوسط الجديد".
لا تكمن المشكلة في تلك الحركات فقط، فالمشكلة الأكبر في من يقف متفرجا لا يفعل شيئا سوى توجيه اللوم وتحميل المسؤولية كاملة لتلك الجهات، وهو ينسى أو يتناسى أن السلبية والتقوقع على الذات واتخاذ وضعية المتفرج بدعوى أنه لا يملك من أمره شيء، في حقيقتها فعل إيجابي يصب في مصلحة الاحتلال وحده، فتح المجال واسعا أمام المشاريع المدعومة من قوى إقليمية خلقت من السلبية واللافعل واللامقاومة فرصة ذهبية لاحتكار "المقاومة" ونشر أفكار التطرف الديني الذي نما وتغذى على سلبية أطراف تخلت عن دورها الذي كان من المفترض أن يكون طلائعيا فاعلا مؤثرا، إن ترك الساحة للاشئ سيكون نتيجته أن تملؤه هذه القوى، فلا مجال للفراغ في التاريخ ولا في نضال الشعوب.
ورغم قتامة وخطورة الواقع، لكن لا زال أمامنا فرصة لوقف تغول إسرائيل وتوسعها على حساب وجودنا، يمكن ذلك بشجاعة الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسئوليات وجرأة الاعتذار للشعب وعدم الخوف من المتطرفين والشعوبيين والتكفيريين، كذلك بإعادة وحدة المجتمع اللبناني والفلسطيني، فالمجتمع المتماسك والقرار الوطني الموحد هو الحصن الأقوى والأول في مواجهة عدو يريد إبادة الجميع تحت مسميات القضاء على تهديد حزب الله أو حماس، فإن توحدنا قبل فوات الأوان سيخرج لبنان وفلسطين بأقل خسائر ممكنة، فاللحمة الاجتماعية والوعي وإعادة الصراع إلى أصله، صراع من أجل الحرية والكرامة وحماية تاريخنا ومستقبلنا على أرضنا هي أقوى الأسلحة في وجه هذا الخطر الداهم الذي يهدد وجودنا وبلادنا بالمحو والإبادة.