
شنّت كلٌّ من إسرائيل وإيران، في أواخر آذار/مارس 2026، هجومًا على حقول الغاز في الخليج الفارسي، في تصعيدٍ هو الأشدّ خطورةً حتى الآن في الحرب الإيرانية. وقد ضَمِن الطرفان المتحاربان، باستهدافهما البنية التحتية للطاقة، أن تكون للحرب تداعيات عالمية تمتدّ لما بعد انتهاء النزاع. وحتى لو صمد وقف إطلاق النار المُعلن عنه مؤخرًا، وانتهت الحرب قريبًا، فقد يستغرق الأمر ما يصل إلى خمس سنوات لإعادة بناء البنية التحتية التي فُقدت. وإذا انهار وقف إطلاق النار واستمرّت الحرب، فسيستمر خطر حدوث المزيد من الدمار أيضًا. في عالمٍ بموارد محدودة، سيكون الأثرياء هم الأقدر على دفع أسعار باهظة للطاقة المتبقية، وسيكون الفقراء هم الأكثر تضررًا.
ضَمِنت هذه الضربات، في الواقع، إلى جانب الاضطرابات الأوسع نطاقًا في قطاع الطاقة التي رافقت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حدوث صدمةٍ في إمدادات الطاقة ستؤدي إلى ارتفاعٍ في نسبة التضخم عالميًّا. ومن شأن أي ضربات إضافية على البنية التحتية الحيوية لإنتاج وتوزيع الطاقة أن تُفاقم هذه الأزمة. هذه الديناميكية -الطلب الزائد على موارد محدودة- هي مُحرّكٌ كلاسيكيٌّ للتضخم. بدأت الأسواق الأميركية، بعد الضربات مباشرة، تراهن على أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيرفع أسعار الفائدة، وهي أداته الأكثر مباشرة لمكافحة التضخم. وفي خضمّ أزمة غلاء المعيشة الصعبة أصلًا، سيعاني الشعب الأميركي من عواقب وخيمة: فرفع أسعار الفائدة سيؤثر على تكاليف الاقتراض لنفقات مثل قروض السيارات والرهون العقارية، وسيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة أسعار البنزين وأنواع الوقود الأخرى، وسيُحمّل مصنّعو السلع العديدة، التي يعتمد عليها الناس، المستهلكين تكاليف الإنتاج المرتفعة.
غير أنّ التضخم والقرارات التي يتخذها الاحتياطي الفيدرالي لمكافحته تتجاوز حدود الولايات المتحدة بكثير، إذ لا تزال معظم ديون الدول المُستحقّة مقوّمة بالدولار الأميركي. وينطبق هذا الأمر أيضًا على الدول التي أمضت العشرين عامًا الماضية في الاقتراض من الصين. ببساطة، ستحدد أسعار الفائدة الأميركية المتزايدة قدرة العديد من الدول على تحمّل أعباء ديونها. وبغض النظر عن نتيجة هذه الحرب، فمن الواضح أن العديد من الدول ستضطر إلى دفع المزيد مقابل الطاقة اللازمة لتشغيل صناعاتها، وتزويد شبكات الكهرباء بالطاقة، ودعم شبكات النقل لديها. لكن الدول التي تتحمل أعباء ديون ثقيلة، مثل تلك التي يصنفها البنك الدولي بوصفها دولًا منخفضة الدخل، ستشهد أيضًا تفاقم أعبائها المالية مع ارتفاع تكلفة سداد ديونها نتيجة التضخم. وسيسري هذا سواءً كانت هذه الدول مدينة بتلك الدولارات لمؤسسات مالية في بكين، أو لمديري أصول في لندن، أو لبنوك تنمية متعددة الأطراف في واشنطن.
وتعدّ هذه تكلفة خفية للحرب، وستكون وطأتها أشدّ على من هم أقل قدرة على تحمّلها. في الواقع، تعاني العديد من الدول منخفضة الدخل بالفعل من مستويات تاريخية من الديون السيادية؛ إذ تضاعفت في السنوات الأخيرة نسبة الدول التي تعاني من ضائقة الديون، من 24% عام 2013 إلى 54% عام 2024. ومع ازدياد حدّة التوترات الجيوسياسية، قد تؤدي حالات التخلّف الجماعي عن السداد بين الدول النامية إلى ضياع المكاسب المحققة في القضاء على الفقر والصحة العالمية والتصنيع، مما يخلق مصاعب تقع على نحوٍ غير متناسب على عاتق الأطفال وكبار السن. وتتزايد أصداء أزمة الديون الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي مع استمرار هذه الحرب، ولذا فإن طبيعة استجابة كل دولة دائنة أمر بالغ الأهمية لتجنب أخطاء الماضي، عندما جاءت الحلول متأخرة جدًا بالنسبة للكثيرين في ما يُسمى بالجنوب العالمي.
انهيار البنوك
مرت الدول النامية بمثل هذه الأزمة المالية من قبل. فخلال حرب أكتوبر عام 1973، حظرت منظمة الدول المصدرة للنفط ("أوبك") تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل. وأدت الصدمة الناتجة في الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بنسبة 300% خلال ستة أشهر، ما أثّر على قطاعات التصنيع والنقل وتكاليف المعيشة في جميع أنحاء العالم. ورغم أن الحظر النفطي لم يكن السبب الوحيد للتضخم الجامح الذي ضرب العديد من الدول، ولا سيما الولايات المتحدة، في ذلك العقد، إلا أنه كان عاملًا مؤثرًا للغاية إلى جانب الضغوط التضخمية الأخرى التي كانت تتراكم حتى تلك اللحظة. كما أوضح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق، آرثر بيرنز ("Arthur Burns")، عام 1979، فإن تضخم السبعينيات يعود إلى عدة عوامل: التمويل السائب لحرب فيتنام، وانخفاض قيمة الدولار عامي 1971 و1973، والازدهار الاقتصادي العالمي في الفترة 1972-1973، وفشل المحاصيل وما نتج عنه من ارتفاع حادّ في أسعار الغذاء العالمية في الفترة 1974-1975، والزيادات غير المسبوقة في أسعار النفط، والتباطؤ المفاجئ في الإنتاجية. أي إن حظر منظمة "أوبك" جاء في خضم عاصفة اقتصادية عاتية، لا تختلف كثيرًا عن «الأزمة المتعددة» التي يرى البعض أنها ما زالت قائمة حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن الدول النامية لم تكن عمومًا هدفًا مباشرًا لحظر منظمة "أوبك"، فإن الدول غير المنتجة للنفط عانت من ارتفاع أسعار الوقود أربعة أضعاف. وقدّر البنك الدولي أن الخسائر التجارية بلغت نحو نصف متوسط قيمة الصادرات والواردات في دول مثل البرازيل وكوريا الجنوبية، مما أدى إلى تراجع النشاط الصناعي في تلك الدول. وبحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدول النامية التي لا تصدر النفط إلى تمويل عجزها المتزايد في ميزان المدفوعات عن طريق الاقتراض من الأسواق التجارية والمؤسسات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي. وضربت أزمة نفطية ثانية الاقتصاد العالمي خلال الثورة الإيرانية عام 1979، مما زاد من ارتفاع الأسعار. وفي ذلك الوقت، تجاوز التضخم في الولايات المتحدة 1% شهريًا، وهو ارتفاع حادّ عن هدف الاحتياطي الفيدرالي المعتاد البالغ 2% سنويًا، ولم يُعالَج إلا عندما رفع بول فولكر ("Paul Volcker")، الذي تولى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في آب/أغسطس 1979، أسعار الفائدة إلى مستوى مذهل بلغ 20%. إن حقيقة أن جميع عمليات الاقتراض تقريبًا من قبل البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط كانت ممولة بالدولار الأميركي تعني أن تكاليف خدمة الدين في جميع أنحاء العالم النامي قد زادت زيادة كبيرة.
كانت زيادات أسعار الفائدة التي فرضها فولكر مدمرة على نحوٍ خاص، لأنها ضربت الدول النامية ضربة مزدوجة. أولًا، تسببت في ارتفاع قيمة الدولار الأميركي مقابل عملات دول الجنوب، مما يعني اضطرار الدولة المقترضة إلى استخدام المزيد من عملتها المحلية لسداد أقساطها المقوّمة بالدولار. ثانيًا، تسببت في ارتفاع حاد في أسعار الفائدة المتغيرة على هذه الديون، التي تتذبذب دوريًا. نتج عن ذلك ارتفاع مدفوعات الفائدة لما يقدر بنحو ثلثي الدول النامية التي لديها قروض مرتبطة بأسعار فائدة متغيرة. لم تشهد الدول النامية أسعار فائدة منخفضة كما كانت في أوائل سبعينيات القرن الماضي إلا مع الطفرة المالية العالمية التي امتدت من عام 2005 إلى عام 2008.
ما بدا ارتشاحًا تدريجيّ لحالات التخلف عن سداد الديون في منتصف سبعينيات القرن الماضي في دول مثل جامايكا وتركيا وزائير، سرعان ما تحول إلى مشكلة هيكلية عندما أعلنت المكسيك، رغم اقتصادها الضخم، في آب/أغسطس 1982، عجزها عن سداد ديونها المقوّمة بالدولار الأميركي. وبحلول نهاية ذلك العام، تأخرت نحو 40 دولة عن سداد فوائد ديونها، وفي العام التالي، كانت 27 دولة منها تتفاوض لإعادة هيكلة قروضها المستحقة. عندما تتخلف دولة ما عن السداد، فإنها غالبًا ما تزيد الوضع المالي المتردي أصلًا سوءًا. وقد يؤدي ذلك، على سبيل المثال، إلى انخفاض قيمة العملة المحلية، مما يؤدي إلى مزيد من التضخم الذي يُضعف القدرة الشرائية للمواطنين. كما قد يؤدي إلى انهيار التصنيف الائتماني للبلاد، مما يُصعّب إعادة تمويلها ويُجبر حكومتها على إعادة هيكلة ديونها بطريقة تُفرض عليها تنازلات مؤلمة.
ومع تفاقم أزمة الديون، دعا الدائنون الغربيون صندوق النقد الدولي إلى إعادة التفاوض على الديون نيابةً عنهم، إلا أن هذا التدخل زاد الأمور سوءًا بالنسبة للعديد من الدول: فمن خلال تحديد كيفية توجيه الدول المدينة ("Debtor Countries") إنفاقها نحو سداد الديون، قوّض صندوق النقد الدولي، بدعم من البنك الدولي، حرية العديد من الدول في إدارة ميزانياتها. وتضررت الصناعات الناشئة بشدة، وتوقف تقديم الخدمات الاجتماعية الحيوية، في ظل سعي الدول للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بسداد الديون المعاد هيكلتها. كما أن تحويل الاستثمارات الإنتاجية صعّب على الدول كسب الأموال اللازمة لخدمة ديونها المعاد هيكلتها. وكانت النتيجة أزمات اقتصادية أعمق في أفقر دول العالم.
بلغت مدفوعات الفائدة السنوية لبعض الدول، خلال هذه الفترة التي يُشار إليها غالبًا باسم «العقد الضائع»، ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لاقتصاداتها. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، استغرق الأمر أكثر من 20 عامًا حتى يتعافى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الاستثمار إلى مستويات ما قبل الأزمة.
فقدت المؤسسات المالية الحافظة، التي أُنشئت في مؤتمر بريتون وودز خلال الحرب العالمية الثانية، الكثير من مصداقيتها، إذ نظرت إليها الدول النامية على أنها منفصلة عن الواقع في أحسن الأحوال، وعقابية واستغلالية في أسوأها. لم تغب هذه التصورات عن الصين، التي كانت آنذاك دولة مدينة من دول الجنوب العالمي، والتي لا تزال حتى اليوم تُشدد على عدم وجود شروط على قروضها للدول النامية.
حُلّت الأزمة في نهاية المطاف من خلال إلغاء الديون، ومبادرة صندوق النقد الدولي للدول الفقيرة المثقلة بالديون ("Heavily Indebted Poor Countries initiative")، والآلية المالية المبتكرة المعروفة باسم سندات برادي ("Brady bonds")، والتي سمحت للدول النامية باستبدال أجزاء من ديونها السيادية المُستحقّة بإصدار سندات جديدة مدعومة بسندات الخزانة الأميركية. وبعد أن استوعب المُقرِضون الغربيون الدرس، تراجعوا عن تمويل مشاريع البنية التحتية التي هيمنت على محافظهم الاستثمارية في الستينيات والسبعينيات.
وحوّلت العديد من مؤسسات التنمية تركيزها من القروض إلى المنح، وأعطت الأولوية للبرامج التي تركز على الصحة والتعليم والحوكمة. غير أن الدول النامية ظلت بحاجة إلى تمويل لبناء الطرق والموانئ وغيرها من البنى التحتية اللازمة للنمو الاقتصادي. وفي مطلع الألفية الثانية، انطلقت قروض القطاع الخاص والقروض الصينية لسد هذه الفجوة.
صعودًا
شهدت اقتصادات العديد من دول الجنوب العالمي، مع مطلع هذا القرن، نموًا متجددًا، مدعومةً بطفرة في أسعار السلع الأساسية واستقرار نسبي في التجارة الدولية. وكان من أهم العوامل المؤثرة تحسين تصنيفاتها الائتمانية بفضل تسوية الديون، مما سمح للعديد من الدول باستئناف الاقتراض من البنوك التجارية أو ضمان قروض البنوك التجارية التي حصلت عليها مؤسسات محلية مفضلة. بل والأهم من ذلك، أن العديد من الدول متوسطة الدخل، مثل الإكوادور وزامبيا وسريلانكا، بدأت بإصدار سندات في الأسواق المالية الغربية لأول مرة. وقد انخفض إقراض القطاع الخاص للدول النامية بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، لكن سرعان ما استعاد الدائنون من القطاع الخاص في الدول الأكثر ثراءً عافيتهم في العقد الثاني من الألفية، باحثين عن عوائد أعلى في ظل بيئة أسعار فائدة منخفضة في الأسواق الغربية. كما ساد تفاؤل كبير حول قدرة العديد من الاقتصادات الناشئة على تجاوز الأزمة المالية بصورةٍ أفضل من الدول الأكثر ثراءً. بين عامي 1985 و2024، وعلى الرغم من أن حصة الإقراض الخاص للدول ذات الدخل المتوسط ظلت تقريبًا كما هي عند أقل بقليل من 60%، إلا أن نسبة هذا الإقراض من البنوك التجارية انخفضت من 74% إلى 21%، في حين ارتفعت السندات إلى 79% من القروض الخاصة.
برزت الصين، في الوقت نفسه، بوصفها أكبر مُقرض ثنائي للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وكما هو الحال مع مُقرضي القطاع الخاص، كان معظم هذا الإقراض بالدولار الأميركي. شهدت أوائل العقد الأول من الألفية الثانية سعي الاقتصاد الصيني، الذي بدأ تصنيعه حديثًا، إلى تعزيز صادراته حول العالم، وكان الإقراض وسيلة لدعم تدفق السلع والخدمات الصينية إلى الدول النامية، لا سيما في قطاعات البناء. كما بدا أن الإقراض لشركاء الجنوب العالمي يُحقق دورة إيجابية: فتقديم الأموال للشركاء العالميين الذين كانوا في أمسّ الحاجة إلى دعم مشاريع البنية التحتية عزز من مكانة البنوك الصينية، وفي الوقت نفسه، حققت هذه البنوك عائدًا على الاستثمار يفوق ما جنته من سندات الخزانة الأميركية. ومن بين 475 مليار دولار من الديون الثنائية المستحقة على الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط اليوم، تُشكل القروض الصينية الحصة الأكبر، إذ تزيد قليلًا على 147.5 مليار دولار، أي ما يقارب 31%.
غير أن هذا الجيل الجديد من المقرضين لم يُشكك في الأمان الاقتصادي للإقراض بالدولار الأميركي أساسًا. ولم يلجأ الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة على نحوٍ حاد، وهو الأول من نوعه منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا بعد أن تسببت جائحة كوفيد-19 في ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة. وقد شعر المقترضون في دول الجنوب العالمي بآثار ذلك فورًا، وسرعان ما تعثرت بعض الدول، مثل غانا وسريلانكا، عن سداد ديونها.
انضمت الصين مؤخرًا، كنتيجة جزئية لهذه التحديات، إلى أهم مبادرتين متعددتي الأطراف لتخفيف عبء الديون: مبادرة تعليق خدمة الدين، التي أطلقتها مجموعة العشرين خلال جائحة كوفيد-19 لتخفيف أعباء الديون عن 73 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، والإطار المشترك لمعالجة الديون، الذي خلفها. إلا أن التقدم كان بطيئًا بسبب الخلافات حول تقاسم الأعباء. فعلى سبيل المثال، تأخرت عملية إعادة هيكلة ديون زامبيا بينما جادلت بكين بأن بنوك التنمية متعددة الأطراف يجب أن تتحمل خسائر أكبر، وألّا تُطالب البنوك الصينية بالكثير. في الوقت نفسه، لا تزال الصين تفتقر إلى آلية لتحديد كيفية توزيع البنوك للتعويضات والخسائر عندما يعجز المدينون عن سداد القروض الدولية للبنوك الصينية، مما أدى إلى خلافات ومفاوضات مطولة بين المؤسسات المالية الصينية المترابطة.
الدراما الوشيكة للديون
ستكون الخسائر المحتملة الناجمة عن تعثر المقترضين كبيرة بالنسبة للبنوك الصينية، لكنها قابلة للحل، نظرًا إلى أن البلاد لا تزال تمتلك فوائض كبيرة من الدولار الأميركي. ويكمن الخطر الأكبر بالنسبة للصين في أنه كلما طال أمد تحديد المسؤولية عن الخسائر بين المؤسسات المالية الصينية العديدة المعنية، طال أمد إعادة هيكلة الديون. ومثل هذه التأخيرات تُهدد بتقويض سردية التعاون التي سعت الصين إلى ترسيخها مع شركائها في الجنوب العالمي، وتُبقي لدى المقترضين نفس التصورات التي كانت لديهم عن المقرضين الغربيين خلال أزمة الديون السابقة.
تُنذر أزمة الديون المُحدقة اليوم بأن تصبح أكثر تعقيدًا، سواءً للمقترضين أو المُقرضين، مما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي، وذلك تحديدًا لأنها تبدو مُرشحة للاستمرار لفترة أطول بكثير. فمقارنةً ببضع عشرات من البنوك التجارية الكبرى التي كانت تمتلك ديونًا في ثمانينيات القرن الماضي، يوجد اليوم عدد أكبر بكثير من حاملي الديون. وبالتالي، فبالإضافة إلى التأخيرات التي تفرضها النزاعات المالية الداخلية غير المحسومة في الصين، قد تضطر الدول النامية أيضًا إلى التفاوض مع مئات صناديق التقاعد الغربية، ومديري الأصول، وصناديق التحوط، وشركات التأمين، وغيرها من المؤسسات التي تمتلك الآن محافظ السندات المختلفة الصادرة عن كيانات حكومية وخاصة في الجنوب العالمي. وكلما ازدادت صعوبة حل أزمة ديون جديدة، كلما ازدادت صعوبة تعافي الدول حديثة التصنيع مثل سريلانكا وزامبيا، مما يعني استمرار معاناتها.
وعلى الرغم من أن استدامة الديون تُشكّل إشكالية متنامية منذ خمس سنوات على الأقل، فإن الحرب في إيران أحدثت صدمة اقتصادية عالمية مفاجئة، ما يجعل من شبه المؤكد حدوث أزمة ديون طويلة الأمد.
وقد صرّح المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية مؤخرًا بأن الحرب في إيران تُعدّ أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ، وأن السياسيين والأسواق يُقلّلون من شأن حجم الأزمة. سيستغرق الأمر سنوات قبل أن تستأنف بعض حقول النفط والغاز المتضررة عملياتها، ورغم أن وقف إطلاق النار قد يُخفّف من حدّة التوترات في قطاع الشحن على المدى القصير، إلا أنه لا يزال هناك غياب للحل الدائم للمواجهة الأميركية الإيرانية بشأن الوصول إلى مضيق هرمز. في غضون ذلك، من المرجّح أن يرتفع التضخم، ما يزيد الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة. وستعاني الدول الأشد فقرًا أشدّ المعاناة، إذ ستُجبر حكوماتها على إعادة هيكلة ميزانياتها للوفاء بالتزامات الفائدة بدلًا من الاستثمار في نموها الاقتصادي وشعوبها.
رغم إمكانية تطبيق بعض الدروس المستفادة من أزمة الديون الكبرى السابقة على الأزمة الحالية، إلا أن الطبيعة الأكثر تعقيدًا للديون الراهنة من المرجّح أن تُطيل أمد الأزمة وتُثير تحديات جديدة، بما في ذلك مسألة تقاسم الأعباء بين حاملي السندات والبنوك الصينية. لا توجد حلول سحرية واضحة. الأمر المؤكد الوحيد هو أنه كلما انتهت هذه الأزمة مبكرًا، كلما تمكن العالم من التركيز على تخفيف هذه الضائقة الاقتصادية.
نُشِر المقال في موقع "فورين أفيرز".