
انطلقت في مدينة جنيف، اليوم الخميس، الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، برعاية عُمانية، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وتصاعد التحذيرات المتبادلة من احتمال مواجهة عسكرية.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وبعد ثلاث ساعات على بدء الجولة، أفادت وسائل إعلام إيرانية بتوقف المحادثات النووية بشكل مؤقت، على أن تُستأنف لاحقًا بعد ظهر اليوم. وأشارت تقارير إيرانية إلى "جدية المحادثات" وانتقالها إلى مرحلة التشاور الداخلي، مع احتمال استئنافها في وقت لاحق.
وقال مسؤول إيراني لوكالة "رويترز" إن التوصل إلى إطار اتفاق مع الولايات المتحدة ممكن، إذا فصلت واشنطن بجدية بين القضايا النووية وغير النووية. وأضاف المسؤول أن المحادثات التي جرت في جنيف كانت "مكثفة وجادة"، وأثارت أفكارًا جديدة تتطلب التشاور مع طهران.
وأشار إلى أنه لا تزال هناك بعض الفجوات بين الجانبين، دون تقديم تفاصيل إضافية.
من جهته، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، في منشور على منصة "إكس": "تبادلنا اليوم في جنيف أفكارًا بنّاءة وإيجابية، وتوقف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون مؤقتًا، وسنستأنف المفاوضات لاحقًا اليوم"، مضيفًا: "نأمل في إحراز مزيد من التقدم".
وشدد البوسعيدي على أن المساعي مستمرة "بصورة حثيثة وبروح بناءة"، مشيرًا إلى وجود انفتاح لدى المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة "بصورة غير مسبوقة"، وتهيئة الظروف الداعمة لإحراز تقدم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة.
وكانت وزارة الخارجية العُمانية قد أعلنت صباح الخميس انطلاق الجولة الجديدة برعاية مسقط، مؤكدة أن البوسعيدي عقد لقاءات تشاورية، بينها اجتماع مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وأوضحت الوزارة أن اللقاء تناول استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيراني، إلى جانب ردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي، لا سيما ما يتعلق بالعناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي والضمانات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق يعالج الجوانب الفنية والرقابية.
خريطة تفاعلية: انتشار القوات الأميركية في المنطقة
كما التقى البوسعيدي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي لبحث الجوانب التقنية المرتبطة بالملف النووي.
وأعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن غروسي انضم إلى المحادثات بصفة "مراقب تقني" يمكن أن يسهم في دفع المفاوضات بمزيد من الدقة والجدية، نقلًا عن مصدر مطلع على الملف.
ونقل بيان عُماني عن البوسعيدي تأكيده أن المساعي مستمرة "بصورة حثيثة وبروح بناءة"، مع وجود انفتاح لدى المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة "بصورة غير مسبوقة"، وتهيئة الظروف للتقدم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة.
الموقف الإيراني
ومع بدء المفاوضات في جنيف، قال أمين مجلس الدفاع الإيراني، علي شمخاني، إن جوهر المفاوضات، إذا كان يتمثل في عدم امتلاك سلاح نووي، "فإن ذلك يتوافق مع عقيدتنا وفتوى المرشد".
وأضاف أن وزير الخارجية عباس عراقجي يتمتع بـ"الدعم والسلطة الكافية" لإبرام اتفاق، في حال توفرت الإرادة لدى الطرف الآخر.
وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية/ إسماعيل بقائي، على أن الجولة الثالثة ستتناول فقط الملف النووي ورفع العقوبات، قائلًا إن "موضوع المفاوضات يركز على الملف النووي".
وأكد أن طهران ستدفع باتجاه رفع العقوبات وتثبيت حقها في "الاستخدام السلمي للطاقة النووية".
وكانت وكالة الأنباء الإيرانية "فارس" قد أفادت بانطلاق المحادثات رسميًا، مشيرة إلى أن الوفد الإيراني يرأسه وزير الخارجية عراقجي، فيما يضم الوفد الأميركي ويتكوف وكوشنر.
وأكدت الخارجية الإيرانية أن طهران تدخل الجولة "بجدية ومرونة"، وأن المفاوضات تتركز على "القضية النووية".
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبيل انطلاق الجولة إن بلاده لا تسعى "إطلاقًا" لامتلاك سلاح نووي، مضيفًا أن المرشد الأعلى، علي خامنئي، أعلن هذا الموقف بوضوح سابقًا.
الموقف الأميركي والتحشيد العسكري
في المقابل، اتهم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طهران بمواصلة طموحات نووية "شريرة"، مشددا على أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بحيازة سلاح نووي، رغم إشارته إلى تفضيل الحل الدبلوماسي.
وفي موازاة المسار التفاوضي، نقل موقع "بوليتيكو" عن مصادر مطلعة أن كبار مستشاري ترامب يفضلون أن تبادر إسرائيل إلى تنفيذ هجوم على إيران قبل أي تدخل أميركي مباشر في حال اندلاع صراع.
ووفق التقرير، يُنظر إلى هذا السيناريو باعتباره قد يسهم في حشد دعم داخلي أميركي لأي تحرك عسكري لاحق.
وأشار "بوليتيكو" إلى أن استطلاعات رأي حديثة تُظهر تأييدًا واسعًا، خصوصًا بين الجمهوريين، لاتخاذ موقف متشدد تجاه إيران، مع وجود تحفظات على الانخراط في حرب واسعة.
الخلافات الجوهرية
تتمحور الخلافات بين الطرفين حول نطاق الاتفاق المحتمل. فواشنطن تطالب بوقف كامل لأنشطة تخصيب اليورانيوم، ونقل المخزون المخصب إلى خارج إيران، وإدراج برنامج الصواريخ البالستية ضمن التفاهم، إضافة إلى بحث دور طهران الإقليمي.
ولوّح وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بأن رفض إيران مناقشة برنامجها الصاروخي يمثل "مشكلة كبيرة جدًا". في المقابل، تصرّ طهران على حصر المفاوضات في الملف النووي، وتطالب برفع العقوبات مقابل فرض قيود على برنامجها، مؤكدة أن برنامجها سلمي.
ووصف بقائي الاتهامات الأميركية بشأن تطوير صواريخ عابرة للقارات بأنها "أكاذيب كبرى".
مقترحات إيرانية ومرونة مشروطة
وقالت مصادر إيرانية مطلعة لصحيفة "العربي الجديد" إن الوفد الإيراني يحمل "حزمة مقترحات تتضمن أقصى مرونة إيرانية ممكنة ضمن حدود الخطوط الحمراء".
وأضافت أن الحزمة تركز على رفع العقوبات، مؤكدة أنه "من دون ذلك لا يمكن ترجمة هذه المرونة إلى إجراءات عملية".
وبحسب المصادر، تتناول المقترحات حلولًا لمسألة تخصيب اليورانيوم من دون المساس بـ"الحق الإيراني الثابت في امتلاك دورة الوقود"، إلى جانب معالجة مستوى التخصيب واحتياطيات إيران من اليورانيوم المخصب، وتقديم "ضمانات مهمة لبقاء البرنامج النووي سلمياً تشمل آليات رقابة وتحقق".
وأكدت أن المقترحات صيغت "بعناية خاصة تحت سقف الخطوط الإيرانية الحمراء المعروفة وعلى حدودها من دون المساس بها".
خلفية الجولة
تأتي هذه الجولة بعد استئناف المحادثات في السادس من شباط/فبراير الجاري، عقب توقفها إثر الحرب التي اندلعت في حزيران/يونيو 2025 واستمرت 12 يومًا، وشاركت فيها الولايات المتحدة بقصف مواقع نووية داخل إيران.
وفي ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، يؤكد الطرفان انفتاحهما على الحوار، مع إبقاء خيار القوة مطروحًا، ما يجعل مآلات الجولة الحالية مفتوحة على جميع الاحتمالات.