
يمثل صعود الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع أعمق عملية إعادة تشكيل لبنية السلطة في الدولة السورية منذ انقلاب عام 1970 الذي أوصل حافظ الأسد إلى الحكم؛ غير أنّ الفارق الجوهري يكمن في أن حكومة الشرع لا ترث دولة أمنية مركزية متماسكة، بل تتسلم مشهدًا متشظيًا تتداخل فيه عشرات المجموعات المسلحة وشبكات استخباراتية متنافسة وميليشيات مدعومة خارجيًا واقتصاد حرب متجذر تمدد خلال اثني عشر عامًا من الصراع وانهيار السيطرة السيادية. وفي مثل هذا السياق، يصبح مشروع إعادة بناء الدولة مرتبطًا بشكل بنيوي بإعادة فرض احتكار السلاح والقوة، وهو التحدي التأسيسي الذي يحدد شكل الاستراتيجيات الأمنية والسياسية والدبلوماسية للحكم الجديد، ويشرح في الوقت نفسه سبب توازي جهود ضبط السلاح مع انخراط سورية في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب عقب زيارة الشرع إلى واشنطن وبدء مجموعة عمليات للأمن العام وجهاز الاستخبارات السورية ضد خلايا التنظيمات الإرهابية.
مراكز العنف
أدى انهيار البنية الأمنية السلطوية التي أسس لها النظام السابق إلى نشوء نظام متعدد المراكز للعنف، إذ تتوزع فيه القوة القسرية بين جهات متعددة تتداخل اختصاصاتها وتتباين ولاءاتها وتتعارض أجنداتها بحسب جهات التمويل والاستدامة. فالوحدات الخاصة للنظام السابق كالفرقة الرابعة والحرس الجمهوري احتفظت بترسانات مستقلة عن وزارة الدفاع، كما عملت الميليشيات المدعومة من إيران ضمن منظومات قيادة موازية، بينما نشأت في ريف دمشق الغربي ودرعا والقنيطرة ودير الزور تشكيلات قبلية بنت أنماطًا اقتصادية أمنية خاصة بها، وتوسعت في الوقت نفسه شبكات الجريمة المنظمة المرتبطة بتجارة الكبتاغون، وتهريب السلاح وسرقة مخازن جيش نظام الأسد مع سلة سقوطه. فرضت هذه التشكيلات سيطرتها على مستودعات السلاح وخطوط الإمداد، ولم يكن هذا التشظي وليد الصدفة، بل شكّل جزءًا من استراتيجية بقاء انتهجها النظام السابق عبر تغذية مراكز قوة مسلحة متنافسة ومتوزعة بشكل أفقي. ما تواجهه القيادة السورية الجديدة اليوم ليس سوى الحطام المتبقي لتلك الاستراتيجية، أي تشكيلات من الدويلات المسلحة الصغيرة التي تقاوم الاندماج في سلسلة قيادة وطنية موحدة.
لمواجهة هذا التدهور، اعتمدت دمشق استراتيجية تمزج بين الإصلاح المؤسسي ونزع السلاح القسري والتسويات السياسية والاستعانة بالدعم الأمني الدولي؛ ليقع في قلب هذه المقاربة العمل على إعادة تشكيل رئاسة الأركان والقيادة العليا للقوات المسلحة ووزارة الداخلية والأمن العام وإعادة تشكيل جهاز استخبارات بمهام وهيكلية جديدة على نحو مهني موحد لا يسمح بعودة الفصائلية. هذه الإجراءات فرضت تشكيلاً جديدًا حيث يُجرى تدوير الضباط الذين تصرفوا كأمراء حرب خلال السنوات الأخيرة من عهد الأسد (مثل فادي صقر وجماعاته) أو إحالتهم إلى التقاعد والتحقيق والمحاكمات أو نقلهم إلى مواقع محددة تحت رقابة صارمة. وفي الوقت ذاته، تُفرض أطر قانونية جديدة تلزم جميع المقاتلين والتشكيلات المسلحة بالتسجيل البيومتري والحصول على تراخيص نظامية، وهو مسار لا يهدف فقط إلى ضبط السلاح، بل يشكل أداة سياسية أيضًا، إذ تُمنح الفصائل التي تقبل بالاندماج رواتب وتدريبًا وشرعية. وفي الوقت ذاته، تواجه الفصائل الرافضة ضغوطًا متصاعدة تشمل الاعتقال والمداهمات والعقوبات المالية والقيود الحدودية، لا سيما في درعا والشمال السوري، وبذلك تسعى الدولة إلى تفكيك الاقتصاد السياسي للاستقلال المسلح واستبداله بمنظومة مؤسسية خاضعة للوظيفة العامة والرقابة والتراتبية النظامية.
احتكار العنف والسلاح المشروع
ويمتد مشروع احتكار السلاح إلى الحدود السورية التي كانت شرايين تدفق السلاح لأكثر من عقد، إذ تدرك الحكومة أن أي عملية نزع سلاح داخلية تفقد معناها إذا بقيت الحدود منفلتة، خصوصًا في مناطق معبر نصيب ومنطقة القنيطرة والممر الصحراوي في البادية الممتد نحو العراق. ولذلك بدأت دمشق، بدعم تقني ومالي من الولايات المتحدة والأردن ودول الخليج العربي، في نشر منظومات مراقبة إلكترونية ورصد بالطائرات المسيّرة وتشديد الإجراءات الجمركية بهدف خنق شبكات التهريب التي لا تقتصر على السلاح، بل تمتد إلى تهريب البشر والمخدرات. ورافق ذلك إنشاء وحدات متخصصة بمكافحة تهريب السلاح مكلفة بقطع سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الميليشيات القبلية وبقايا تنظيم داعش وشبكات الكبتاغون. وبينما يمثل هذا التشديد تحولًا واضحًا عن البيئة المتساهلة التي سادت في عهد الأسد، فإنه يشير في الوقت نفسه إلى دخول سورية في بنية أمنية إقليمية أوسع تمنح استقرار الحدود أولوية بوصفه شرطًا لمكافحة الإرهاب وإعادة الاندماج الاقتصادي.
أصبحت مكافحة الإرهاب المجال المركزي الذي تتقاطع فيه عملية إعادة بناء الدولة مع الدبلوماسية الدولية، فبالنسبة لواشنطن يشكل صعود حكومة الشرع فرصة نادرة لوجود قيادة ليست معادية أيديولوجيًا للغرب ولا خاضعة بنيويًا لإيران وتمتلك في الوقت نفسه الحافز والقدرة السياسية على إصلاح المؤسسات الأمنية السورية. أما بالنسبة لدمشق، فتمثل مكافحة الإرهاب أسرع الطرق وأكثرها مصداقية نحو استعادة الشرعية والحصول على الدعم الخارجي وتخفيف العقوبات. وعلى عكس الفترات السابقة التي استخدمت فيها الحكومات السورية خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير القمع، فإن المقاربة الجديدة تقوم على بناء مؤسسات حديثة قائمة على العمل الاستخباراتي الدقيق، حيث يهدف إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب إلى تجاوز التنافس التاريخي بين الأجهزة الأمنية عبر تأسيس مركز اندماج يجمع بين جمع المعلومات وتحليلها وتخطيط العمليات، مع انخراط مستشارين أميركيين وأردنيين وإماراتيين في صياغة هذا الهيكل بما يضمن توافقه مع معايير التحالف الدولي.
وتعد صحراء البادية، التي ظلت لسنوات طويلة ملاذًا لبقايا تنظيم داعش، ميدان الاختبار الأول لهذه العقيدة الجديدة، إذ حلّت العمليات المنسقة القائمة على معلومات استخباراتية عالية الجودة والمراقبة المستمرة بالطائرات من دون طيار والتعاون مع القوات الأميركية في التنف محل حملات القصف العشوائي التي كان يعتمدها النظام السابق. ويكتسب التعاون الأمني مع قوات سورية الديمقراطية أهمية خاصة لأنه يعكس تحولًا براغماتيًا عن خصومات سياسية سابقة، فكلتا الجهتين تواجهان تهديدًا مشتركًا يتمثل في عودة داعش وتدركان أن شبكات السجون والتمويل والتنقل الصحراوي التي يعتمد عليها التنظيم تتطلب احتواءً مشتركًا. ورغم أن هذا التعاون يبقى محصورًا في الأطر الأمنية والاستخباراتية، فإنه يؤشر إلى إدراك دمشق أن جهود مكافحة الإرهاب ستبقى ناقصة دون علاقة عملية مع هذه القوى وامتداداتها الغربية.
بعد زيارة واشنطن
جاءت زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن لتشكل اللحظة الدبلوماسية التي تتوج هذه التحولات الداخلية، إذ إن انضمام سورية بوصفها العضو التسعين في التحالف الدولي لا يعبر عن خطوة رمزية فحسب، بل يمثل إعادة إدماج لدمشق داخل إطار عالمي لمكافحة الإرهاب بقيت خارجه قرابة عقد، كما يعيد تشكيل موقع سورية الإقليمي حيث يتعاظم الدور الأردني في رسم عقيدتها الأمنية جنوبًا وتصبح الولايات المتحدة المزود الرئيسي للخبرة التقنية والتدريب والمعلومات. وفي ذات الوقت، تفرض المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بتفوقها العسكري النوعي قيودًا صارمة على أي تسليح سوري مستقبلي بما يمنع عمليًا عودة سلاح الجو السوري ليشكل تهديدًا استراتيجيًا، بينما تستعد دول الخليج، وعلى رأسها قطر والسعودية والإمارات، لتمويل ودعم مسارات برامج الاستقرار وإعادة الإعمار مقابل ضمانات بعدم عودة سورية إلى المدار الإيراني.
غير أن هذا الانتقال لا يخلو من توترات محتملة، فاستدامة الشراكة بين سورية والتحالف الدولي رهينة توازنات سياسية دقيقة تتعلق بسرعة معالجة دمشق لملف الميليشيات المختفية المدعومة من إيران وقدرتها على تنفيذ إصلاحات حقيقية في الحكم ومرونتها في التعامل مع توقعات موسكو التي ترى في سورية موطئ نفوذ استراتيجي، وكذلك قدرتها على منع القوى التي ازدهرت في بيئة التفكك من تقويض العمارة الأمنية الجديدة. إذا واصلت حكومة الشرع إحراز التقدم، فإن سورية قد تتحول إلى عامل استقرار إقليمي أشبه بدور الأردن ومصر في خلق توازنات دبلوماسية، وتصبح دولة ذات موارد محدودة ولكن ذات أهمية جيوسياسية عالية؛ أما إذا تعثرت الإصلاحات فقد تنحدر الشراكة إلى مستوى شكلي يعيد إنتاج هشاشة الدولة ويفتح الباب أمام عودة الميليشيات وبؤر داعش، وفي أسوأ السيناريوهات قد تقوض التوترات السياسية أو الإقليمية مجمل هذا الترتيب وتعيد البلاد إلى مربع الفوضى.
تأتي أهمية هذا المنعطف من أنه يمثل للمرة الأولى منذ عام 2011 تقاطعًا غير مسبوق بين ضرورات الداخل وفرص الخارج، إذ تمتلك سورية اليوم قيادة يرتبط بقاؤها السياسي بإعادة بناء المؤسسات بدل توظيف انهيارها، ويغدو احتكار السلاح ليس مجرد سياسة أمنية بل خريطة طريق لاستعادة السيادة، كما تتحول شراكة مكافحة الإرهاب من مجرد تعاون تكتيكي إلى آلية لإعادة سورية إلى النظام الدولي، بينما يصبح مسار ما بعد زيارة واشنطن اختبارًا حقيقيًا لقدرة دولة مزقتها الحرب على إعادة ابتكار نفسها ضمن نظام إقليمي يشهد تحولات عميقة.
خطر القمع والشمولية
أما على المستوى النظري، فإن مكافحة الإرهاب قد تتحول إلى بوابة لنشوء نزعة شمولية حين تُستخدم الحاجة المشروعة للتصدي للتهديدات العنيفة بوصفها مبررًا دائمًا لمنح السلطة استثناءات واسعة تسمح لها بتعطيل القيود السياسية الطبيعية والحكم في ظل حالة طوارئ مستمرة. في مثل هذا السياق، تتحول أدوات المراقبة والاحتجاز والمحاكم العسكرية والرقابة على الإعلام من تدابير مؤقتة إلى آليات حكم ثابتة تمكّن السلطة التنفيذية من إعادة تعريف المعارضة بوصفها تطرفًا وإعادة تصنيف التنافس السياسي على أنه تحريض؛ ومع اتساع مؤسسات مكافحة الإرهاب تبدأ بالبحث عن خصوم جدد لتبرير سلطتها، فتنزاح من مواجهة جماعات مسلحة فعلية إلى ضبط المجتمع المدني والإعلام والحركات السياسية وحتى الأجنحة المنافسة داخل الدولة نفسها.
يُعزز ذلك كله انتقال ثقافي يجعل المراقبة الواسعة أمرًا طبيعيًا ويجعل المجتمع يستبطن الخوف ويمارس الرقابة الذاتية، مما يمنح الدولة قدرة غير مسبوقة على تتبع الحياة اليومية للأفراد والجماعات. وتتلاشى الحدود بين منع العنف والسيطرة على الفكر حين تتوسع برامج مكافحة التطرف لتشمل مراقبة الخطاب الديني والمناهج التعليمية والفضاء العام، بما يمنح الدولة سلطة تقرير ما هو مقبول من الأفكار وما هو خطر. وتكتمل الدائرة حين تكسب الأنظمة المنخرطة في مكافحة الإرهاب شرعية دولية وحماية من الانتقاد الخارجي، مما يمكنها من ترسيخ سلطتها من دون مساءلة. وفي سورية ما بعد عام 2024 تتضاعف هذه المخاطر رغم الطابع الإصلاحي النسبي لحكومة الشرع، إذ يمكن للمنطق البنيوي لمكافحة الإرهاب، بما يتضمنه من توسع في الأجهزة الأمنية وعسكرة الحدود وتكنولوجيا المراقبة والشراكات الأمنية الدولية، أن يعيد إنتاج دولة يغلب عليها الطابع الأمني ما لم تُوازن هذه المسارات بإشراف مدني قوي وقضاء مستقل وحياة سياسية تعددية حقيقية.